الصفحة 51 من 76

فقلت: مذكورة في كتاب (السنة) ، ومصرح بالخلاف فيها، وعزو مذهب المخالف إلى قائله، وذلك في قولنا: في مسألة السكوت دليل الجواز للفاعل وكذا لغيره خلافًا للقاضي). انتهى.

واعلم أن حظ باب التخصيص، بيان أن التقرير تخصيص ليس غير، وأما أنه ماذا يخصص ومن ذا يخصص؟ فمستفاد من قرائن التقرير، فإن دلت على تخصيص الفاعل بالتخصيص فذاك، وإلاَّ فالناس شَرَعٌ، كما بيناه في (شرح المختصر) في مسألة التقرير.

يجوز نسخ الخبر إذا كان بمعنى الإنشاء:

ومنها: على قولنا في النسخ (ونسخ الإنشاء ولو كان بلفظ القضاء أو الخبر) .

قيل: الضمير في كان علام يعود؟ فقلت: على الإنشاء.

وإنما قلت (كان) لأن (لو) وجد فيها توهم، فتوهم أن المعنى (ولو كان النسخ بلفظ الإنشاء أو الخبر) ، غايته أن الضمير في كان يعود على النسخ، وليس هذا هو المقصود، والمعنى أن نسخ الإنشاء جائز ولو كان الإنشاء واقعًا بلفظ القضاء أو الخبر، وهما مسألتان غيريتان.

وذهب بعضهم إلى أن الإنشاء إذا وقع بلفظ القضاء مثل قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، فلا يجوز وقوع النسخ فيه، وزعموا أن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه، ولم أجد هذا القول إلاَّ في كتب التفسير (وانسحت) بعض من منع تخصيص الأخبار على المنع مطلقًا سواء أكان الخبر خبرًا في اللفظ والمعنى، أو خبرًا في اللفظ مع كونه إنشاءً في المعنى، كصيغ الأخبار، المقصود بها الأمر والنهي: نحو والوالدات يرضعن أولادهن} ، {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} ، فإن قلت: أين تصريحك بحكاية هذين المذهبين؟ قلت: قد أشرت إليهما بقولي (ولو) ومن عادتي الإشارة به إلى خلاف ضعيف (لا ينتهض) بحيث يصرح بحكايته، أو احتمال خلاف وإن لم يوجد. ولو أن الفطن تأمل صنيعي في هذا المجموع الصغير الذي سميته (جمع الجوامع) ، وجعلت اسمه عنوانًا على معناه، وترتيبي الأقوال وقائليها والمسائل وفروعها، والقائلين وتعديدهم، واطلع على مغزاي في ذلك لقضى العجب العجاب، وعلم كيف أمطنا القشر عن اللباب.

واعلم أني لم أقتصر في هذا الكتاب على الموجود في كتب الأصول، بل ضممت إليه شيئًا كثيرًا من كتب المتكلمين، وكثيرًا من كتب المحدثين، وكثيرًا من كتب الخلافيين، وكثيرًا من كتب الفقهاء، وكثيرًا من كتب المفسرين، وشيئًا مجاوزًا للحد مما سمح به الفكر واستخرجه النظر، ووضعه الفهم موضعه، مما لم أسبق إليه، ولو وسع وقتي لكتابة شرح عليه وافٍ بالغرض منبه على ما رمزت إليه على وجه الاستقصاء لدخل في أسفار كثيرة.

لا يقبل قول الراوي: هذا نا سخ لهذا:

ومنها: على قولنا: (وقوله هذا ناسخ لا الناسخ) : قيل: لم لا يكون لقول الراوي: هذا ناسخ أثر؟ ويعتبر قوله: هذا الناسخ. وأي فرق؟

فقلت: إذا قال: (هذا ناسخ) ، فقد ادعى نسخًا، ولم يبينه، وجاز أن يظن ما ليس بنسخ نسخًا، وأن النسخ أمر اجتهادي، فلا يلتفت إليه.

وأما إذا كنا نعرف أنه منسوخ، وشككنا في عين الناسخ، فقال لنا: هذا هو الناسخ. فنقبل قوله؛ لأنه لما ثبت أصل الناسخ ولم يبق إلاَّ معرفة عينه، اكتفينا فيه بقوله لسهولة أمره، وظن عدم الغلط فيه، ولا اعتبار باحتمال غلطه لبعده، كما لا يعتبر ذلك فيما إذا قال: هذا سابق. بل يقبل قوله هذا سابق كما قدمناه وإن احتمل غلطه، وظنه غير السابق سابقًا، ولكن ذلك بعيد؛ لأنه أمر تاريخي لا أمر فقهي اجتهادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت