فهرس الكتاب
افتتاح (جمع الجوامع) بجملة فعلية:
ومنها: قيل: لم افتتحتم كتاب (جمع الجوامع) بجملة فعلية؟ حيث قلتم: (نحمدك اللهم على نعم يؤذن الحمد بازديادها) ولم تأت باسمية فتقول: (الحمد لله) ، والاسمية أنسب، لدلالتها على الاستقرار والثبوت، وبها افتتح الله كتابه العزيز بعد البسملة؟
فقلت: الفعلية دالة على التجدد لدلالة الفعل على الحدث، بخلاف الاسمية؛ فإنها مسلوبة الدلالة على الحدث وضعًا. ولما كان هذا الكتاب من النعم المتجددة ناسب أن يؤتى بما يدل على التجدد، وهذا بخلاف كتاب الله العزيز فإنه قديم لم يحدث ولم يتجدد، فالاسمية أنسب به. وهذا معنى لطيف، وسر غريب، استنبطته، وبه يعتضد من افتتح كتابه بالجملة الفعلية، كالرافعي في شرحه، والغزالي قبله، في كثير من كتبه، وخلق، ولست أدعي أن الافتتاح بالفعلية في كلام البشر أولى مطلقًا.
وكيف وقد افتتح إمامنا الشافعي رضي الله عنه كتاب (الرسالة) بالاسمية حيث يقول (الحمد لله) الخطبة، وإنما أدعي أنه إذا لوحظ معنى نعمة تجددت مع قطع النظر عن النعم المستقرة فالأحسن لفظ يدل على التجدد، بخلاف ما إذا لوحظ معنى النعمة وتعلقها بالحامد من حيث هي.
بقي هنا بحث، وهو: أنه هل الأولى ملاحظة النعمة المتجددة أو النعمة من حيث هي؟ الذي يظهر أن هذا يختلف باختلاف المقامات، وأن النعمة إذا فجأت العبد فملاحظتها بخصوصها وقت فجأتها أنسب.
مشروعية سجود الشكر عند مفاجأة النعمة:
ولذلك شرع سجود الشكر عندها، ولو أخره لفات وقته، فدل أن الشارع يطلب ملاحظتها بخصوصها والقيام بشكرها عند تجددها، ومن ذلك مصنف الكتاب فيحسن أن يلاحظ نعمة الله عليه بتأهله لذلك. ووراء هذا البحث بحث أدق منه، فنقول: قد تقصر قوى العبد عن ملاحظة الوصفين: الخاص وهو ذلك الأمر المتجدد، والعام وهو النعم التي هو منغمس فيها.
والأولى بضعيف القوى ما ذكرناه من ملاحظة الخاص، وقد يقوى على الملاحظتين، وذلك السعيد الذي لا يغفل عن ربه طرفة عين، بل هو بالمرصاد، لما يأتي من قبله.
والأحسن لهذا السعيد ملاحظة النعمتين، فإن في ملاحظ إحداهما إعراضًا وسكوتًا وغفلة عن الأخرى، وذلك نقص. والشافعي رحمه الله كان من أقوياء العباد، فكأنه لاحظ النعمتين، فلذلك جاء بالجملة الاسمية، بخلاف غيره منا، فإن قوانا تضعف عن هذا الاستعداد التام، لا يقال: (لسنا عاجزين عن الإتيان بالجملة الاسمية) ، لأنا نقول لهذا القائل: أنت في وادٍ ونحن في واد، لأنا لا نعني بالملاحظتين إدارة لفظهما على اللسان، بل امتلأ القلب بهما.
بحيث يستغرقان القلب، ولا يستغرقهما القلب.
وأما التلفظ المحض فذلك لا نحفل به، وهو نقص يحتاج إلى الاستغفار. وإلى ذلك الإشارة بقول رابعة العدوية رضي الله عنها: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار) ولا يلزم من كون الحمد والاستغفار المجردين عن حضور القلب نقصًا بالنسبة إليهما مع الحضور أن لا يكون فعلهما قربة؛ بل التلفظ وإن لم يكن معه حضور خير من الصمت وإلى ذلك الإشارة بقولنا في التصوف من (جمع الجوامع) : واحتياج استغفارنا إلى استغفار لا يوجب ترك الاستغفار. وهو جواب سؤال مقدر تقديره: إذا احتاج إلى استغفارنا إلى استغفار فلم نستغفر؟ ووجه الجواب ما ذكرناه من أنه خير من الصمت، فاحتياجه إليه لا يوجب الصمت عنه. وفي إضافة الاستغفار إلينا حيث قلنا: (استغفارنا) ولم نقل: (الاستغفار) ما يفهم أن المحتاج إلى استغفارنا هو استغفارنا، واستغفار أمثالنا، لا استغفار الخلص من عباد الله، الذين إذا استغفروا امتلأ القلب باستغفارهم، ووافق ضميرهم لسانهم، ولسانهم فعلهم.
إذا عرفت هذا، فهمت السر في العدول عن الاسمية إلى الفعلية من ضعيف القوى في مقام الربوبية. وعند هذا المنتهى ننبهك على دقيقة، وهي: أنه إذا تعارض الاستغفار أو الحمد مع الحضور في الأمر الخاص، المحمود عليه أو المستغفر منه، مع