فهرس الكتاب
التلفظ المطلق بلا حضور فقد يقول المتمادي في العلم: (الإطلاق أولى من حضور شيء والغفلة عن غيره) وما يدري الجهول أن الحضور ولو طرفة عين خير من الغفلة. فاعلم أن الحضور ولو لأمر خاص خير من لا حضور، وإن كان من العموم.
سمعت الشيخ الإمام سقى الله عهده يقول: ينبغي للمسكين الواقف بين يدي ربه في الصلاة إذا ركع أو سجد، أن يتأمل قوله: (( خشع لك سمعي وبصري .. سجد وجهي ) )، ويعلم أن هذه جمل خبرية، والمصلي يناجي الله تعالى، فلينظر أهو صادق فيما يقول من خشوع سمعه وبصره وعظمه وشعره أم كاذب في هذا المقام، بين يدي رب الأرباب؟. وقد تضمن الجواب عن هذا السؤال شرح موضع آخر من الكتاب، وهو قولنا: (واحتياج استغفارنا إلى استغفار لا يوجب ترك الاستغفار) ، ولو شئت لأمليت على هذه الكلمة وقر بعير.
ولكن إمساك عِنان الكلام في هذا المقام أجدر من إرخائه، والتنبيه على مباديه أولى من إغفاله وإرجائه.
أصول الدين
الأصح أن وجود كل شيء عينه:
ومنها: على قولنا: (وما تصوره العقل إما واجب أو ممتنع أو ممكن؛ لأن ذاته إما أن تقتضي وجوده في الخارج أو عدمه، أو لا تقتضي شيئًا) . انتهى.
أي: فالأول الواجب، والثاني الممتنع، والثالث الممكن، قيل: هذا يناقض اختياركم متابعة الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه (أن وجود كل شيء عينه) الذي افتتحتم به هذا الفصل، فإن قولكم (ذاته تقتضي وجوده) صريح في أنهما - أعني: الذات والوجود - غيران.
فقلت: هذا سؤال جيد، وقد شكك به السمرقندي صاحب (الصحائف) على قول من قال: (وجود كل شيء عينه) ، فقال في شرح (الصحائف) : لو كان كذلك لبطل قولنا: (ما تصوره العقل ... ) إلى آخره، وسمعت بعض المحققين يقول في جوابه: دعه يبطل، من ذكر هذا التقسيم؟
وأنا أقول: القول بأن وجود الشيء عينه صحيح ولا يبطل به هذا، وذلك لأن مرادنا بذاته، ذاته المتصورة في الذهن.
ومرادنا بوجوده ذاته الخارجية.
والحاصل أن الذات الحاضرة في الذهن إن كفى تصورها في الحكم بكونها خارجية فهي الواجب، أو أنها غير خارجية فهي الممتنع.
وإن لم يكتفِ في الحكم بواحد منهما بل جوز كلاًّ من الأمرين فهي الممكن.
القياس
ومنها: على قولنا في القياس: (وأن لا تكون المستنبطة معارضة بمعارض مناف موجود في الأصل، قيل: ولا في الفرع) .
قيل: أي حاجة إلى قولكم: (منافٍ) مع قولكم: (بمعارض) ، وقولكم: (قيل) يقتضي أنه ضعيف، وقد قدمتم قولكم في شروط الفرع (وتقبل المعارضة فيه بمقتضى نقيض أو ضد لا خلاف الحكم) . ومن ذكر الضد والخلاف غيركم؟
فقلت: أما قولنا (مناف) فلأن المعارض قد لا يكون منافيًا كما صرَّحنا به من بعد في قولنا: (والمعارض هنا وصف صالح ... ) إلى آخره.
المعارضة لها معنيان: