الصفحة 54 من 76

وهو تحقيق وفهم حسن عن الأولين، لم يذكره غيري، وقد حررته في (شرح المختصر) . وبينت أن المعارضة تطلق، ويراد بها معنيان: معارض منافٍ، ومعارض لا ينافي، وأما قولنا: (وتقبل المعارضة ... إلى آخره، فهو تفريع على اشتراط انتفاء المعارض المنافي في الفرع. وهذا باب من أبواب الجدل، ذكره ابن الحاجب في(الاعتراضات) ، حيث يقول: (المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم) إلى آخره.

وحاصله أن من الشروط على المختار أن لا يعارض الفرع بمعارض يقتضي نقيض الحكم بأن يقول ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه فيتوقف دليلك.

وقد اقتصر من سبقنا على ذكر النقيض وضممت أنا إليه الضد فلا فرق. وأشرت إلى مخالفة الخلاف؛ وهذا لأن المستدل إذا ذكر وصفًا فعورض بوصف قائم في الفرع يقتضي فيه نقيض ما رامه المستدل، كما إذا كان وصف المستدل يقتضي ثبوت الحرمة ووصف المعترض يقتضي ثبوت نقيضها، وهو لا حرمة أو يقتضي فيه ضد مرام المستدل، كما إذا كان وصفه يقتضي ثبوت الحرمة، ووصف المعترض يقتضي ثبوت الوجوب أو الاستحباب مثلًا، فلا شك في قبول هذه المعارضة لأنها تهدم قاعدة المستدل وتبطل رومه.

أما إذا عورض بما يقتضي خلاف الحكم الذي رامه، فلا يقبل ذلك، لأنه لا يبطل قوله، لإمكان اجتماع مرامه معه، وهذا كما إذا أتى بعلة تقتضي في الفرع الحرمة فعارضه بعلة تقتضي فيه وجوب الحد، فوجوب الحد لا ينافي الحرمة، فله أن يقول: هب أن ما عارضت به صحيح، ولكنه لا يعترض غرضي لجواز اجتماع الحرمة، والحد، ولعلك تقول: قولكم: (قيل: ولا في الفرع) ظاهر في أن المختار مقابله، وقولكم بعده، وهو المختار، صريح في أنه المختار، وبينهما تناقض.

فنقول: اعلم أن القول بأنه يشترط في العلة أن لا يعارض مستنبطها في الفرع ضعيف عندنا، وهو المشار إليه بقولنا: (قيل) ، وهذا لأن انتفاء المعارض في الفرع شرط ثبوت حكم العلة فيه لا شرط صحة العلة في نفسها، فإنها في نفسها يجوز أن تكون صحيحة، سواء أثبت الحكم في الفرع أم تخلف لسبب من الأسباب، اقتضى تخلفه، فمن ادعاه شرطًا للعلة نفسها فقد وهم.

وأما قبول المعارضة في الفرع فحق، لأن ذلك دافع لفرض المستدل فكان قبوله والانفصال عنه حقًّا.

انتفاء المعارض في الفرع لا يقدح في العلة:

والحاصل أن انتفاء المعارض في الفرع شرط ثبوت الحكم، لا شرط صحة العلة فليس من قوادح العلة في شيء، وإن كان قوادح القياس.

وفي الحقيقة، قولنا: (وتقبل المعارضة ... ) إلى آخره، جواب سؤال مقدر. تقديره: إذا لم يشترط نفي المعارض في الفرع، فهل تقبل المعارضة؟

وتقرير الجواب: نعم تقبل، لا لكونها قدحًا في العلة، بل لكونها قدحًا في القياس.

وأنا أرى أن أذكر أمثلة ما يقتضي نقيض الحكم، وضده، وخلافه، فإني لم أذكر ذلك في (شرح المختصر) .

مثال النقيض:

مثال النقيض: لو قال قائل - وهو وجه عندنا- إذا باع الجارية إلاَّ حملها صح، كما لو باع هذه الصيعان إلاَّ صاعًا. فنقول: لا يصح، كما لو باع الجارية إلاَّ ولدها، وهذا قريب الشبه من الفرع إذا اجتذبه أصلان متقابلان.

وهنا يلحقه الشافعي رضي الله عنه بأغلب الشبهين، ويسميه قياس غلبة الأشباه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت