‹
الصفحة 76 من 76

وأما (صحائف) السمرقندي فحسنه مستثقل العبارة، وسيئه أكثر من حسنه.

وأما (طوالع) البيضاوي فمصنفه إمام عالم صالح دين، أشعري العقيدة، إلاَّ أنه أكثر فيه من الجريان على قواعد الحكماء، من حيث لا يدري غائلة ذلك، مع علمه ودينه، ولكن كثر عليه كلام أولئك فصده عن كثير من كلام أهل السنَّة، ثم هو مع ذلك خير هؤلاء.

فهذه فرقة، حاصل أمرها أنها اتبعت طريقة أبي نصر الفارابي، وابن سيناء، وهلم جرّا إلى هذا النصير المخذول، وغيرهم من الفلاسفة التي نشأت في هذه الأمة، واشتغلوا بأباطيلهم وجهالاتهم وسموها الحكمة الإسلامية، ولقبوا أنفسهم حكماء الإسلام، وهم أحق بأن يُسموا سفهاء جهلاء من أن يُسموا حكماء علماء.

ومن هؤلاء فرقة ضمت إلى هذا القدر من الفلسفة النظر في (كشاف) الزمخشري.

ومنهم فرقة رقيت غير هذه الفرقة، وقالت: لا بد من ضم علم الحديث إلى التفسير. فكان قصاراها مشارق الأنوار، للصاغاني، فإن ترفعت فإلى (مصابيح) البغوي، فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث على زعمها اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير. وإن ضمت إليه كتابًا من كتب علوم الحديث، فحينئذٍ ينادى من هذا شأنه محدث المحدثين، وبخاري العصر، وما يناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإن من ذكرناه لا يعد محدثًا بهذا القدر وإن حفظ هذه الكتب عن ظهر قلب، فضلًا عن مجرد النظر في ألفاظها ولغتها.

من هو المحدِّث؟:

إنما المحدث من عرف المسانيد، والعلل، وأسماء الرجال، والعالي، والنازل، وحفظ مع ذلك من متون الأحاديث جملة مستكثرة، وسمع الكتب الستة ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية. هذا أول درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه، وكتب الطباق، ودار على الشيوخ وانتقى عليهم، وخرج، وتكلم في العلل، والوفيات والجرح والتعديل، كان في أول درجات من يحق له اسم المحدث، ثم يزيد الله من شاء ما شاء. ومنهم فرقة جمعت من المعقول والمنقول ما ذكرناه ثم ترفعت وقالت تضم إلى التفسير والحديث علم الفقه، فكان غايتها البحث في الحاوي الصغير، والكتاب المذكور حسن أعجوبة في بابه، إلاَّ أن المرء لا يصير به فقيهًا ولو بلغ عَنان السماء، وهذه الفرقة تضيع في تفكيك ألفاظه وفهم معانيه زمانًا، لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعي، وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد الله.

شروط حكم الأصل:

ومنها على قولنا في القياس في حكم الأصل: (ومن شرطه ثبوته بغير القياس) .

قال السائل: قد قلتم بعد ذلك بنحو سطر واحد، (وغير فرع إذا لم تظهر للوسط فائدة، وقيل مطلقًا) قال: فقد علم اشتراط كونه غير فرع من اشتراط ثبوته بغير القياس، فما الفائدة لهذا؟ لا يلزم من اشتراط كونه غير فرع وهو ما ذكرنا ثانيًا، اشتراط ثبوته بغير القياس وهو ما ذكرناه أولًا: لأنه قد يثبت بالقياس ولا يكون فرعًا للقياس المراد ثبوت الحكم فيه، وإن كان فرعًا لأصل آخر، وكذلك: لا يلزم من كونه غير فرع، أن لا يكون ثابتًا بالقياس، لجواز أن يكون ثابتًا بالقياس، ولكنه ليس فرعًا في هذا القياس الذي يراد به إثبات الحكم فيه.

قال الناسخ: هذا آخر ما انتهى إليه تعليق المؤلف متع الله بعلومه: إلى شهر شعبان سنة سبع وستين وسبعمائة.

ووافق الفراغ من تعليقه في مستهل شهر رجب الفرد من شهور سنة إحدى وتسعين وثمانمائة ... والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت