فهرس الكتاب
وسأتحفك بتقسيم حرَّرته على طريق مشايخنا رضي الله عنهم، وتقسيم حرَّرته على طريق الحكماء، وبهما يتبيَّن لك سداد الكلام.
فأقول: هذا تقسيم المعلوم عند علمائنا، ولا أقول الشيء فأجعل مورد التقسيم المعلوم، ليشمل المعدوم والموجود، ولو قلت الشيء، لاختص بالموجود على قول أئمتنا.
إذا عرفت هذا، فالمعلوم إما معدوم أو موجود، الأول المعدوم، وهو إما ممكن أو مستحيل.
والثاني: الموجود وهو إما واحد أو كثير، وهذه عبارة المتكلمين، وإن شئت قل: إما واجب أو ممكن، وهذه عبارة الحكماء، ومن تبعهم من المتأخرين في التعبير لا في الاعتقاد من أهل السنَّة
الأول: الواحد، وهو الواجب، وهو الشيء الذي لا يقبل القسمة ولا الشبه بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى.
الثاني: الكثير، وإن شئت قل: الممكن، وإن شئت قل: الاثنان، وهو ثلاثة أقسام، المثلان، والضدان، والخلافان، فهذا تقسيم حاصر على رأي أئمتنا جارٍ عن إنكار الأحوال ونحن قاطعون بنفيها نصًّا في (جمع الجوامع) .
ونفيها هو المأثور عن أبي الحسن الأشعري، واضطرب إمام الحرمين، ثم استقرَّ رأيه على ما ذكر في كتابه المسمى (بالمدارك) ، حيث قال ما نصه: (اخترنا في الشامل المبني على أساليب الكلام القطع بإثبات الأحوال، ونحن الآن نقطع بنفيها. انتهى) .
فإن قلت: هل الاثنان غيران؟
قلت: أما عند الحكماء فنعم، وأما مشايخنا قاطبة فقالوا: الغيران موجودان، يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر في حيِّز أو عدم، فخرجت الأعدام إذ لا تمايز فيها، والأحوال إذ لا يثبتها المحققون من أئمتنا، وما لا ينفك كالصفة مع الموصوف، والجزء مع الكل، فإنه لا هو ولا غيره.
وقولنا: (في حيز أو عدم) ليشمل المتحيز وغيره، وقد استبعد قوم قول أئمتنا: إن الصفة لا هي الموصوف ولا غيره، وقالوا: هو إثبات بواسطة، واعتقد آخرون قاصرون أن الخلاف لفظي، ولم يفهموا دعوى الأئمة، وأن مرادهم لا هو بحسب المفهوم، ولا غيره بحسب الهوية، ثم لذلك سر يقصر عن كشفه هذا المجموع.
تقسيم الفلاسفة للواحد يتضمن كفرًا:
وتقسيم الفلاسفة للواحد والكثير متضمِّن زندقةً وإلحادًا، وإنكار الواحد الحقيقي، وهو هو الرب تعالى لأنهم لم يجعلوا في الأقسام واحدًا، بل وحدةً، فحوموا على أن ربهم وحدة لا واحدًا وذلك كفر وضلال وتبعهم هؤلاء المتأخرون الذين مزجوا الحكمة بعلم الكلام، وضيَّعوا الأذهان، وأوجبوا تطرق سوء الظن، إلى أهل السنة.
وأول من دخل في هذا النوع، لكن لا على هذا الوجه الإمام فخر الدين رحمه الله، فإنه وإن جمع من كلام أهل السنَّة والحكماء، إلاَّ أنه أفرد لكل مصنفات. فصنف على طريقة أهل السنَّة والجماعة الأربعين والخمسين، وعلى طريق الحكماء (المطالب العالية) ، و (المحصل) ونحوهما.
ثم جاء بعده أقوام من متأخري العجم أتباع النصير المخذول الطوسي وشيعته، والله لا يدرون مذهب الأشعري ولا يفرقون بين أقوال أهل السنَّة.
ثم هم فرق، فرقة قالوا نحن أشاعرة، وقصارى أمرهم (صحائف) السمرقندي، أو (تجريد النصير) الطوسي، وأقلها شرًّا (طوالع) البيضاوي.
أما (تجريد) الطوسي فإنه عندنا من أردأ الكتب وأضرها على المسلمين مع كونه في نفسه مختصرًا لا طائل فيه.