الصفحة 19 من 34

وأما الإضمار فمنهم من أدخله في المجاز، ومنهم من جعله قسيما للمجاز، ثم اختلفوا عند اجتماعهما هل الإضمار خير أم المجاز أم يستويان؟

مثاله: {واسأل القرية} أضمر لفظ"أهل"استغناء عن إظهاره، فإن أريد ذلك المضمر القائم مقامه المظهر وهو القرية، ويجعل هذا من الحذف، فجعل هذا مجاز فيه نظر. في الحاشية قال فيها:"وجه النظر أن المجاز هذا مجاز فيه نظر هو استعمال الشيء في غير ما وضع له إذا حذفناه، فالمذهب ليس من المجاز."

قال ابن عطية في قوله: {وسئل القرية} هذا مجاز والمراد أهلها. وحكى

أبو المعالي في التلخيص عن بعض المتكلمين أنه قال: هذا من الحذف وليس من المجاز، قال: وإنما المجاز لفظ يستعار ليعرف ما هو.

قال ابن عطية: وحذف المضاف هو عين المجاز، هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر، وليس كل حذف مجازا، ورجح أبو المعالي في هذه الآية أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور.

وفي شرح المحصول للقرافي: في الأسماء أربعة أقسام: قسم يتقاضاه اللفظ ومعناه لعدم صلاحية المنطوق به للمعنى المراد، يتقاض إضمار الأهل، فإن إسناد السؤال إلى القرية ليس فيه مقصود القائل لهذا اللفظ، ويكون الإسناد مجازا في التركيب.

وقسم لا يكون اللفظ بدونه مجازا في التركيب ويتقاضاه الأحكام الشرعية، نحو قوله - تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} . فتضمر"فأفطرتم".

وكقوله - تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} . تضمر"محدثين".

وقسم يتقاضاه العادة - فعل الشرع - كقوله - تعالى:

{أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} ، تقتضي العادة أنه ما انفلق بمجرد هذا القول، بل لا بد من سبب آخر، فتضمر"فضرب فانفلق".

وكذلك قوله - تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (25) فلما جاء سليمان} ، تقديره"فأرسلته".

وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة كقوله: {فقضبت قبضة من أثر الرسول} دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول، فيضمن ذلك، فليس فيه إضمار يوجب المجاز، - كالقسم الأول - وهو مجاز في التركيب لا في الأفراد، فقلنا حينئذ:"إن المجاز لا يترتب على إضمار كيف كان". وقد جزم الشيخ ابن عبد السلام أن الإضمار ليس في المجاز. انتهى كلام المصري في الحاشية.

وأيضا يأتي للتأكيد فهو كثير في القرآن، وأيضا يأتي مجملا - أي: مجموعا - استغناء عن كثرة التكرار، فإدخاله في قسم المجاز فيه نظر، ومنه: {يا بني آدم} ، {يا بني إسرائيل} .

وأيضا التقديم والتأخير، فالمراد به تقديم ما كان رتبته التقديم، فالمفعول رتبته التأخير وقد تقدم، والخبر رتبته التأخير وقد تقدم، والمبتدأ رتبته التقديم وقد يؤخر. وذلك كثير في القرآن فلا حاجة إلى تمثيله.

ومن التقديم والتأخير قوله - تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) } فالاستعاذة إنما تكون قبل القراءة.

وأما ما تحول عن خبره إلى خبر غيره إذا كان من سببه، فمثاله قوله - تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} .

قال أبو عبيدة: قد يبدأ بالشيء ثم يحول الخبر إلى غيره، والعرب تفعل ذلك، قال الأعشى:

وإن امرؤ أسرى إليك ودونه من الأرض موماة وبيداء سملق

لمحقوقة أن تسجيبي لصوته وأن تعلمي أن المعان موفق

والمومات: الفلاة من الأرض والمفازة، وهذا كله بعد إثبات وقوع المجاز، وقد خالفت الظاهرية في ذلك، فنفوا وقوع المجاز في القرآن، وهو أيضا لازم قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: إن المجاز لم يقع في القرآن. والرد عليهم مبسوط في كتب الأصول.

النوع الثامن والعشرون والتاسع والعشرون

المشترك والمترادف

هذان النوعان قد وقع الخلاف في وقوعهما، فقال قوم: لم يقع المشترك ولا المترادف، وهذا القول يجيز للضروريات في المترادف، أما في المشترك فلا تماما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت