فهرس الكتاب
ما خص فيه الكتاب السنة وما خصت فيه السنة الكتاب
هذا النوع الأول منهما وهو عزيز الوجود، لا يوجد إلا في أمثلة يسيرة:
أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )خصص ذلك قوله - تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) } .
الثاني: أن الحديث المذكور خصص من وجه آخر وهو قوله - تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} فهذا في أمان، فخصص بذلك عموم (( أمرت أن أقاتل الناس ) )الحديث.
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه: (( ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة ) )، خصصه قوله - تعالى:
{ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) } .
الرابع: قول الراوي عنه -عليه السلام - في أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة:"نهى عن الصلاة في هذه الأوقات."
خصصه قوله - تعالى: {وأقيموا الصلاة} .
وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} . فإن الفرائض خارجة من هذا النهي.
الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم في الصدقة: (( لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي ) ). خصصه قوله - تعالى: {والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم} . فإن من ذكرناه يعطى ولو مع الغنى، وكذلك الغزاة بظاهر الآية.
وأما أمثلة ما خصت فيه السنة فيه الكتاب فهو كثير، ولا فرق في ذلك بين أن تكون السنة متواترة أو خبر آحاد على المشهور، والخلاف في ذلك مشهور ومبسوط في كتب الأصول.
النوع السابع والثلاثون والثامن والثلاثون
المجمل والمبين
ومرادنا بالمجمل: ما وقع مجملا في الكتاب ثم بينته السنة، فمما وقع مجملا وحصل بيانه بالسنة قوله - تعالى: {وأقيموا الصلاة} وقوله - تعالى:
{ولله على الناس حج البيت} .
وقوله - تعالى: {وآتوا الزكاة} ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعال الصلاة وأركان الحج ومقادير نصب الزكوات في أنواعها.
وكذلك قوله - تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} .
وقد اختلف قول الشافعي - رحمه الله - في آية البيع على أقوال حكاها الماوردي:
أحدها: أنها عامة إلا ما خرج بدليل، ثم هي عامة أريد بها الخصوص، أو عام مخصوص، قولان.
القول الثاني: أنها مجملة، إذ ليس في الآيتان ما هو جائز وما ليس بجائز، وعلى هذا هل هو بنفسها أو بعارض؟ وجهان:
أحدهما: بنفسها لقوله - تعالى: {وحرم الربا} .
والربا من أنواع البيع، فعارض آخر الآية أولها.
الثاني: أن السنة لما وردت بالنهي عن جملة من البيوع، تبين أن الآية مفسرة بذلك، فكانت الآية مجملة لذلك.
ثم اختلف أصحابنا في الإجمال على وجهين آخرين:
الأول: أنه وقع في المعنى المراد بها دون صيغة لفظها، لأن البيع اسم لغوي معقول، لكن لما قال عقبه {وحرم الربا} عارضه ولم يعين المراد منها فصار مجملا لذلك.
الثاني: أن اللفظ - أيضا- مجمل، لأنه لما يتبين بالسنة أن ثم شرائط لم تكن معقولة من اللفظ خرج بذلك عن موضوعه لغة.
القول الثالث: أنها عامة دخلها التخصيص، ومجملة لحقها التفسير لقيام الدلالة على كل منهما، واختلفوا في وجه دخول ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى، فيكون اللفظ عاما مخصوصا، والمعنى مجملا لحقه التفسير.
الثاني: أن العموم في قوله - تعالى:
{وأحل الله البيع} والإجمال في قوله: {وحرم الربا} .