الصفحة 25 من 34

الثالث: أنه كان مجملا، فلما فسره النبي صلى الله عليه وسلم صار عاما بعد البيان فيكون داخلا في المجمل قبل البيان، وفي العام بعد أن بين النبي صلى الله عليه وسلم ما يجوز من البياعات فينصرف اللفظ إلى البيع الذي بينه - عليه السلام - وعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني.

الرابع: أنها تناولت بيعا معهودا، ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا، فقوله - تعالى: {وأحل الله البيع} أي: البيع الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، وعرفه المسلمون منه، فتناولت الآية بيعا معهودا، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد أو للجنس، ولا يكون الجنس هنا مرادا لخروج بعضه عن التحليل، فعلم أن المراد العهد، فعلى هذا فيتعذر الاستدلال بظاهرها على صحة إلا بعد بيان أنه جائز بالسنة بخلاف القول الأول فإن عليه يصح أن يستدل بها على صحة كل مختلف فيه من البياعات.

وذكر غيره من الأصحاب أن فيها أقوالا:

أحدها: أنها عامة خصصها الكتاب.

الثاني: مجملة بينتها السنة.

وإذا قلنا عامة، فهل عمومها من حيث اللفظ أو من حيث المعنى؟ قولان: ومنهم من وجهين، وحكى الماوردي - أيضا - وجهين في قوله: {وحرم الربا} .

أحدهما: أنه مجمل، وكل ما جاءت به السنة من أنواع فبمنزلة البيان في الربا المعهود بينهم في الجاهلية من الزيادة في الدين والزيادة في الأجل، ثم إنه وردت السنة بزيادة أنواع أخر مضافة إلى ما جاء به القرآن.

وقد اختلف- أيضا قول الشافعي - رحمه الله - في آية الزكاة: هل هي عامة خصصتها السنة، أو مجملة بينتها السنة على قولين، وأظهرهما أنها مجملة.

وفي هذا كفاية لبيان هذين النوعين، والله أعلم.

النوع التاسع والثلاثون

المؤول

وأردنا به: ما ترك ظاهره لدليل قام على ذلك، ولذلك أمثلة:

قوله - تعالى-: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} ، فإن الآية اقتضت استحقاق الصدقة للمذكورين، معلقا ذلك بالأسماء التي اختصوا بها، فالعامل ظاهر القرآن يقتضي إعطاءه ولو كان غنيا، لأنها أجرة عمل.

وأما المؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب المفسر ذلك بالمكاتبين، أي: كتابة صحيحة، فإنه لا بد من العجز منهم، فقد ترك ظاهر الآية لدليل.

وأما الغارمون فصنفان:

أحدهما: لمصلحة نفسه.

والآخر: لمصلحة كلية، فإن كان لمصلحة نفسه فشرطه المعتبر في الفقه، فهل يعطى مع الغنى؟ قولان:

القديم: أنه يعطى لعموم الآية، ولأن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى مع الغنى.

والجديد: المنع، لأنه يأخذ للحاجة، فاعتبر فقده كالمكاتب وابن السبيل.

ويخالف الغارم لمصلحة كلية فإنه يأخذ لإطفاء الفتنة.

وأما في سبيل الله فهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، فإنهم يعطون مع الغنى.

فصارت الأصناف - ما عدا الفقير والمسكين - مقسمة على قسمين:

قسم يعطى مطلقا، وهم العامل والمؤلفة قلوبهم والغزاة، وقسم يعطى بشرط الفقر، وهم الرقاب والغارمون في مصلحة أنفسهم، وابن السبيل.

فقد ترك الظاهر في هؤلاء.

وكذلك قوله - تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} ، فإن ظاهر الآية استحقاق اليتيم مطلقا، لكن ترك هذا الظاهر فاشترط فقره، ولا يقال هذا من التخصيص، بل هو من التأويل.

وكذلك قوله - تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} ، فإن الخلود في الآية مؤول بالمستحل، أو الثواء الطويل، لا الثواء الأبدي الدائم الذي هو مختص بالكافر.

وهذا الرمز مقنع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت