فهرس الكتاب
النوع الأربعون
المفهوم
وقد ذكر الأصوليون أمثلة مفهوم الموافقة بقوله - تعالى - في حق الوالدين:
{فلا تقل لهما أف} فإنه يفيد تحريم الضرب لأنه أولى.
وقوله - تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) } فإنه يفيد أن المجازاة حاصلة بما فوق المثقال.
وأيضا قوله - تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} فإنه يقبل تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار.
وقوله - تعالى: {ولا يظلمون نقيرا (124) } فإنه يفيد عدم الظلم فيما فوق ذلك.
وكقوله - تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة} قال الشافعي - رحمه الله: هذا تنبيه على وجوب الكفارة في قتل العمد.
ومثلوا لمفهوم المخالفة في الصفة بقوله - تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} فإنه ينبغي التبين في قول الفاسق، ومفهوم المخالفة يقتضي أن قول العدل يترك التبيين فيه.
وفي الشرط بقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} .
وفي الغاية بقوله - تعالى:
{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} .
وفي العدد بقوله - تعالى - في حد القاذف:
{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} .
قالوا: وقول ابن عباس في قوله - تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت} .
أن الأخت لا ترث مع البنت، تعلقا بمفهوم الصفة، لم يتعارض في فهمه، وإنما عورض بدليل آخر بإثبات إرث الأخت مع البنت، وإنما ترك مفهوم الصفة لذلك الدليل.
والمفهوم في القرآن كثير، وهذا نموذج منها.
النوع الحادي والأربعون والثاني والأربعون
المطلق والمقيد
من ذلك آية الوضوء مقيدة بالمرافق التيمم.
ومن ذلك أن الرقبة قيدت بالإيمان في كفارة القتل وأطلقت في الظهار، فحمل المطلق على المقيد.
ومن ذلك قوله - تعالى-:
{ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} مع قوله:
{ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} فإن المشهور عند الشافعية أن الردة لا تحبط العمل إلا إذا اتصل بها الموت، حملا للمطلق في آية المائدة على مقيده في آية البقرة.
ولكن الشافعي رضي الله عنه نص في الأم على أن الردة بمجردها تحبط العمل وإن لم تتصل بالموت، على معنى ذهاب الأجر.
فالحكم بالتقييد ليس في الورود على التصحيح في المذهب، وإنما هو بالقياس، وفيه وجهان لأصحابنا حكاهما ابن السمعاني في قواطع الأدلة فقال: إذا ورد مطلق
ومقيد في حكم واحد وسببين مختلفين، مثل ما وردت الرقبة مطلقة في كفارة الظهار، ومقيدة بالإيمان في كفارة القتل، فعندنا يحمل المطلق على المقيد، واختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل، فمن أصحابنا من قال: يحمل المطلق على المقيد بنفس الورود، ومنهم من قال: يحمل من جهة القياس وهو الصحيح، وهذا الذي نختاره.
وكذلك رجح المتأخرون من الأصوليين هذا.
وأما عند اتفاق السبب فإن التقييد عن نفس الورود كآية الردة.