فهرس الكتاب
ومثال التقييد بالإجماع: تقييد قوله تعالى: {يأخذ كل سفينة} بالإجماع على أن المراد بها خصوص الصحيحة الصالحة، وقد تقدم أن التخصيص في الحقيقة بمستند الإجماع فكذلك التقييد. ومثال التقييد بالقياس: تقييد قوله تعالى في كفارة الظهار واليمين: {فتحرير رقبة} بالقياس على كفارة القتل المقيدة بالإيمان في قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} بناء على القول القائل بأن حمل المطلق على المقيد بالقياس ورجحه بعض الأصوليين. أما المخصصات المتصلة فالظاهر أن التقييد لا يكون بها إلا في الصفة كقوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} وقوله: {فليعمل عملا صالحا} لأن المطلق إما مطلق الماهية أو الواحد الشائع كما تقدم، والواحد لا تعدد في ذاته حتى يخرج بعضها بالاستثناء أو بالشرط أو بالغاية أو ببدل البعض، والمطلق على كونه مطلق الماهية لم يقصد به متعدد حتى يخرج بعض أفراده أيضا.
437 وحمل مطلق على ذاك وجب = إن فيهما اتحد حكم والسبب
يعني أنه إذا ورد في الوحي نص فيه إطلاق وآخر فيه تقييد وكان سببهما واحدا وحكمهما أيضا واحدا فإن المطلق يحمل على المقيد كتقييد الدم في قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} بقيد المسفوحية المذكور في قوله: {أو دما مسفوحا} لأن السبب واحد والحكم واحد. وكتقييد قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا نكاح إلا بولي ) )بقوله في بعض الروايات: (( إلا بولي مرشد وشاهدي عدل ) ).
438 وإن يكن تأخر المقيد = عن عمل فالنسخ فيه يعهد
يعني أن القيد إذا تأخر وروده عن أول وقت العمل بالمطلق كان القيد ناسخا لما أخرجه من المطلق، وإنما انتقل من التقييد إلى النسخ لأن التقييد بيان والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل كما يأتي للمؤلف وكما تقدم نظيره في التخصيص. والحاصل أنه إن علم تقدم المقيد على وقت العمل، أو كان المطلق هو الأخير ورودا أو تقارنا، أو جهل التاريخ = حمل المطلق على المقيد. وإن تأخر التقييد عن وقت العمل كان ناسخا. وكل هذه الصور يدخل في كلام المؤلف.
أما إذا علم الأول منهما ونسي فالظاهر أيضا أنه كذلك يحمل فيه المطلق على المقيد ولا يحكم بكونه نسخا لاحتياج النسخ إلى دليل خاص يثبته كما يأتي للمؤلف، فلو فرضنا أن الشارع قال للمكفر: (اعتق رقبة) ثم قال بعد الفعل: (اعتق رقبة مؤمنة) كان القيد بالإيمان بعد العمل بعتق مطلق الرقبة نسخا لعتق الكافرة لا تقييدا، لمنع تأخر البيان عن وقت العمل.
439 وإن يكن أمر ونهي قيدا = فمطلق بضد ما قد وجدا
يعني أنه إذا كان الإطلاق والتقييد في أمر ونهي بأن كان الأمر والنهي أحدهما مطلق والثاني مقيد، فإن المطلق منهما يقيد بضد القيد الذي قيد به المقيد لما بين الأمر والنهي من المضادة والمنافاة.
مثال تقييد النهي وإطلاق الأمر (لا تعتق رقبة كافرة أعتق رقبة) فإن الرقبة المطلقة المأمور بعتقها تقيد بضد القيد الذي قيدت به الرقبة المنهي عن عتقها وهو الكفر فضده الإيمان، فتقيد به الرقبة المطلقة المأمور بعتقها فيكون المعنى (أعتق رقبة مؤمنة) .
ومثال إطلاق النهي وتقييد الأمر ما لو قلت: (لا تعتق رقبة أعتق رقبة مؤمنة) فإن الرقبة المطلقة المنهي عن عتقها تقيد بضد القيد الذي قيدت به الرقبة المأمور بها، وقيدها هو الإيمان وضده الكفر، فتقيد الرقبة المطلقة المنهي عنه عتقها بالكفر، فيكون المعنى لا تعتق رقبة كافرة.