فهرس الكتاب
440 وحيثما اتحد واحد فلا = يحمله عليه جل العقلا
اعلم أولا أن أحوال المطلق والمقيد أربعة:
الأول: أن يتحدا في الحكم والسبب معا، وقد تقدم هذا قريبا للمؤلف.
الثاني: أن يختلفا في الحكم والسبب معا، وهذا لا حمل فيه لأحدهما على الآخر إجماعا، ولذا لم يتعرض له المؤلف.
الثالث والرابع: هما: إذا ما اتحد الحكم واختلف السبب أو اتحد السبب واختلف الحكم، وهما مراد المؤلف بهذا البيت.
وظاهر كلامه أن أكثر العقلاء لا يحمل أحدهما على الآخر وأنهما سواء في ذلك، وليس كذلك، لأن حمل المطلق على المقيد فيما إذا اتحد الحكم واختلف السبب قال به جل الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية. ومثاله: إطلاق كفارة الظهار واليمين عن قيد الإيمان، وتقييد كفارة القتل خطأ به، فيحمل المطلق على المقيد، فيشترط الإيمان في رقبة الظهار وكفارة اليمين، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلمي: (( أعتقها فإنها مؤمنة ) )ولم يستفصله، وترك الاستفصال كالعموم في الأقوال، كما تقدم للمؤلف.
واختلف في دليل حمل المطلق على المقيد فقيل: هو اللغة لأن العرب يثبتون ويحذفون اتكالا على المثبت، كقول قيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما = عندك راض والرأي مختلف
وقول ضابئ بن الحارث البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة = البيت
وقول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي = بريئا ومن أجل الطوي رماني
فحذف من الأول (رضوان) لدلالة (راض) عليه، وحذف من الثاني (غريب) لدلالة لفظ (غريب) المذكور عليه، وحذف من الثالث (بريئا) لدلالة المذكور عليه أيضا.
وقيل: حمل المطلق على المقيد بالقياس كما تقدمت الإشارة إليه، وقيل: بالعقل وهو أضعفها.
وأما الحالة الثانية التي هي: اختلاف الحكم واتحاد السبب، فليس الحكم فيها كالأولى لأن الحنابلة يقولون بحمل المطلق على المقيد في الأولى دونها، وقال بعض المالكية والشافعية بحمل المطلق على المقيد فيها أيضا.
ومثل القائلون بعدم الحمل بقوله تعالى في صوم الظهار: {فصيام شهرين متتابعين} فإنه قيده بالتتابع وأطلق إطعام الظهار عن قيد التتابع فلا يحمل المطلق على المقيد، فلا يشترط التتابع في إطعام الظهار مع أن السبب واحد وهو الظهار والحكم غير واحد لأن هذا إطعام وهذا صوم.
ومثل القائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة بقوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} في عتق الظهار وصومه مع أنه أطلق إطعام الظهار عن القيد بكونه قبل المسيس فيحمل المطلق على المقيد، فيجب كون إطعام الظهار من قبل أن يتماسا.
ومثل له اللخمي بقوله تعالى في كفارة اليمين: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون} وأطلق الكسوة عن القيد في قوله: {أو كسوتهم} فيحمل المطلق على المقيد، فتكون الكسوة من أوسط ما تكسون أهليكم، وهذا كله فيما إذا