فهرس الكتاب
ومن أمثلته: أخذ علي - رضي الله عنه - أن اقل أمد الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} مع قوله: {وفصاله في عامين} لأن العامين إن أسقطتها من الثلاثين بقي منها ستة فالآيتان لم تسق واحدة منهما لقصد بيان أقل أمد الحمل ولكن إحداهما لبيان أمد الحمل والفصال والأخرى لبيان أمد الفصال إلا أنهما دلتا بالإشارة على أقل أمد الحمل.
وقوله: (فأول) مبتدأ خبره (إشارة اللفظ) والظاهر أن مسوغ الابتداء به كونه في معرض التفصيل كقوله امرئ القيس:
فلما دنوت تسديتها = فثوبا نسيت وثوبا أجر
وقوله: (علم) بالبناء للمفعول وألفه للإطلاق.
141 دلالة الإيماء والتنبيه = في الفن تقصد لدى ذويه
يعني أن الدلالة التي تسمى دلالة الإيماء والتنبيه مقصودة عند المتكلم بالأصالة لا بالتبع (والفن) فن الأصول وقوله: (ذويه) بمعنى أصحابه وجملة (تقصد) خبر المبتدأ الذي هو (دلالة) وأشار إلى تعريفها بقوله:
142 أن يقرن الوصف بحكم إن يكن = لغير علة يعبه من فطن
المصدر المنسبك من أن وصلتها خبر مبتدأ محذوف والتقدير هي - أي دلالة الإيماء والتنبيه - أن يقرن- أي اقتران - الوصف بحكم لو لم يكن الوصف علة لذلك الحكم لعابه الفطن بمقاصد الكلام لأنه لا يليق بالفصاحة وكلام الشارع لا يكون فيه ما يخل بالفصاحة ومثاله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} لأنه لو لم يكن القطع لعلة السرقة لما كان في قول {السارق والسارقة} فائدة.
ومن أمثلته: قصة الأعرابي الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان فقال له صلى الله عليه وسلم: (( اعتق رقبة ) )فلو لم يكن عتق الرقبة لعلة المواقعة لكان الكلام بلا فائدة وسيأتي للمؤلف الكلام على أنواع الإيماء في مسالك العلة لأنه هو المسلك الثالث منها.
وعلى القول بأن المنطوق صريح فقط فلا أشكال وعلى أن منه صريحا وغير صريح فإنه يشكل الفرق بين المنطوق الغير الصريح وبين المفهوم فيحتاج إلى الفرق بين المفهوم مع الاقتضاء والإشارة والإيماء والفرق بين المفهوم ودلالة الإشارة مصاحبة القصد الأصلي له دونها والفرق بينه وبين دلالة الاقتضاء ظاهر وهو توقف الصدق أو الصحة على إضمار فيها دونه والفرق بينه مع دلالة الإيماء هو أدقها وتقريبه للذهن أن تعلم أولا أن المفهوم مقصود للمتكلم إلا أنه مقصود من النطق لا في محل النطق كما تقدم فقوله تعالى مثلا: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} يقصد منه أيضا أنهن إن كن غير أولات حمل لا يجب الإنفاق عليهن إلا أن هذا المقصود لم يتناوله اللفظ فهو مقصود باللفظ ولم يتناوله اللفظ وإنما فهم من تخصيصه الإنفاق بالحوامل أن المسكوت عنهن وهن غير الحوامل لسن كذلك إذ لو كن كذلك لما كان في تخصيص الحوامل بالذكر فائدة.
ودلالة الإيماء مقصودة في محل النطق فقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} يقصد من منطوقه أن القطع من أجل السرقة فإذا عرفت هذا فالفرق بين المفهوم مع دلالة الإيماء كونها مفهومة في محل تناوله اللفظ نطقا دونه فتحصل أن دلالة الإشارة لم تقصد بالأصل ولكن دخلت بالتبع وأن دلالة الاقتضاء مقصودة ولكن توقف الصدق أو الصحة على