الصفحة 54 من 263

وقول المؤلف: (فيلي الإضمار) هو بالرفع فاعل (يلي) والمفعول محذوف أي يلي الإضمار المجاز. وجمع بعضهم هذه المسائل في بيتين فقال:

يُقدم تخصيصٌ مجازٌ ومضمرٌ = ونَقلٌ يليه واشتراكٌ على النسخ

وكلٌ على ما بعده متقدمٌ = وقدم أضداد الجميع ذوو الرسخ

قال مقيده عفا الله عنه: قول ناظم البيتين: (وقدم أضداد الجميع) وجيه في غير التخصيص، أما التخصيص فلا يقدم عليه ضده الذي هو العموم بل يقدم هو على العموم كما سيأتي.

210 وحيثما قصدُ المَجاز قد غَلَبْ = تعيينُه لدى القرافي مُنْتَخَبْ

211 ومذهبُ النعمانِ عكس ما مضى = والقوْلُ بالإجمال فيه مُرْتضى

يعني أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح بكثرة الاستعمال، كلفظ (الدابة) الذي هو حقيقة مرجوحة في كل ما دب، مجاز راجح في ذوات الحافر في أكثر البلاد وفي بعضها للحمار وفي بعضها للحية فإن في ذلك ثلاثة مذاهب:

الأول: تعيين حمل اللفظ على المجاز لرجحانه بكثرة الاستعمال، وعزاه المؤلف في (الشرح) لأبي يوسف واختاره القرافي وهو معنى قول المؤلف: (تعيينه لدى القرافي منتخب) أي مختار ولا يحمل على الحقيقة إلا ببينة أو قرينة.

الثاني: حمله على الحقيقة لرجحانها بالأصالة ولا يحمل على المجاز إلا بنيته أو قرينة وهو قول أبي حنيفة وهو مراد المؤلف بقوله: (ومذهب النعمان عكس ما مضى) .

الثالث: وهو قول الإمام، واختاره السبكي في (جمع الجوامع) أن اللفظ يكون مجملًا فلا يحمل على المجاز لرجحان الحقيقة بالأصالة ولا على الحقيقة لرجحان المجاز بكثرة الاستعمال فيتساوى الاحتمالان لأن لكل منهما مرجحًا فيكون اللفظ مجملًا وهو مراد المؤلف بقوله: (والقول بالإجمال فيه مرتضى) .

212 أجْمَعَ إنْ حقيقةٌ تُماتُ = على التقدمِ له الأثباتُ

يعني أن الأثبات - أي العلماء - أجمعوا على تقديم المجاز على الحقيقة إن أُميتت الحقيقة أي هُجِرت بالكلية فمن حلف: لا يأكل من هذه النخلة حَنَث بثمرها دون خشبها الذي هو الحقيقة لأنها مُمَاته مهجورة.

وقوله: (الأثبات) بفتح الهمزة جمع ثَبَت فاعل (أجمعَ) و (إن) شرطية و (حقيقة) نائب فاعل (تُمات) محذوفة دل عليها (تمات) المذكورة، لما تقرر من أن أدوات الشرط لا تتولاها إلا الجمل الفعلية، وهو الصحيح عند النحويين خلافًا لبعضهم زاعمًا أن الشرط ربما ولي جملة اسمية، وجعل بعضهم منه قوله تعالى: {قل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ} [الإسراء:100] الآية.

213 وهو حقيقةٌ أو المجازُ = وباعتبارَيْن يجي الجوازُ

يعني أن اللفظ المستعمل في معنى لا يخلو إما أن يكون حقيقة فقط، أو مجازًا فقط، كالأسد للحيوان المفترس أو للرجل الشجاع، ويجوز أن يكون حقيقة ومجازًا معًا باعتبارين كالصوم - مثلًا - فإنه حقيقة لغوية مجاز شرعي في كل إمساك، وحقيقة شرعية مجاز لغوي في خصوص إمساك البطن والفرج. وكالدابة فإنها حقيقة لغوية مجاز عرفيّ في كل ما دَبّ، حقيقة عرفية مجاز لغويّ في ذوات الحافر مثلًا، وهذا مراده بقوله: (وباعتبارين يجي الجواز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت