الصفحة 14 من 64

وقد أدرك أبو بَرَاء البعثة وهو شيخ كبير، ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسلم ولم يبعد وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية فلم يقبلها، وقال: لو كنت قابل هدية مشرك لقبلت هدية هذا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إني أرى دينك هذا حسنًا فابعث معي رجالًا من أصحابك يدعون أهل نجد إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أخاف عليهم من أهله» ، فقال: أنا جارٌ لهم ثم سافر إلى بلاده وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم وراءه سبعين من القَّراء إلى أهل نجد ومعهم كتاب إلى عامر بن الطفيل ابن أخي أبي براء، فلما نزلوا موضعًا يقال له: بئر معونة، أرسلوا حَرام بن مِلحان الأنصاري بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيْل، فلما جاءه أعطاه الكتاب فلم ينظر فيه وطعن حرامًا فقتله، وكان قد غلب على رئاسة عمه لما هَرِم واستصرخ على الصحابة قبائلَ بني عامر فامتنعوا وقالوا: قد أجارهم عمك ولا نخفر ذمته فذهب إلى بني سليم فاستنفرهم، فأجابته بنو رِعل وبنو ذَكوان، وأتى بهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يشعرون حتى غشيتهم الخيل، فقاموا وقاتلوا فاستشهدوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري، فلما بلغ النبي صلى الله

/14 عليه وسلم، قال: هذا عمل أبي بَراء وقنت شهرًا يدعو على رِعل وذَكوان، فغضب أبو براء وقال: استضعفني عامر لما هرمت وخفر ذمتي وشرب الخمر صِرْفًا حتى مات كافرًا.

ومن شعره لما أسن وضعفه بنو أخيه وخرَّفوه ولم يكن له ولد يحميه قوله:

دفعتكُمُ عَنِّي وما دَفْع راحةٍ ... بشيء إذا لم تستطع بالأنامل ...

يُضَعفِّني حلمي وكثرة جهلكم ... عَليّ وأني لا أصول بجاهل

عامر بن الطفيل

وأما الشقي عامر بن الطفيل، فإنه بعد هذه الواقعة قال: كادت العرب أن تتبع قدمي ويريد القرشي أن أتبعه، ثم وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن عمه أربد، وكان فاتكًا، وكان اتفق معه على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: إني أشغله عنك بالحديث فاضربه أنت من خلفه بالسيف، فلما دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام فقال: ما تجعل لي إن اتبعتك، فقال أعنة الخيل، قال: أو ليست لي لأَملائنَّها عليك خيلًا جُرْدا ورجالًا مردًا ولأربِطَن بكل نخلة فرَسًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يأبى الله ذلك وأبناء قَيْلة» يعني: الأنصار، فدخل أُسَيد بن حُضَير رضي الله عنه وجعل يضربهما على رؤسهما بنعل الرمح ويقول: اخرجا أيها الهِجرِسان، فقال له عامر: من أنت؟ قال: أسيد بن حضير، قال: أبوك كان خيرًا منك، قال: كذبت أنا خير منه ومنك؛ لأنكما مشركان وأنا مسلم، فخرجا فقال النبي: «اللهم اكفني عامرًا بما شئت» ، وقال عامر في الطريق: ويلك يا أربد، أين ما قلت لك؟ والله ما كان رجل على وجه الأرض هو أخوف عندي على نفسي منك، وأيم الله، لا أخافك بعد اليوم أبدًا، فقال أربد: لا تعجل عليَّ، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلتَ بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف، حتى إذا كانا ببعض الطريق بعث الله إلى عامر الطاعون في عنقه

/ 15 فقتله في بيت امرأة من بني سَلُول فجعل يقول: أغدةً كغدة البعير وموتًا في بيت سلولية وذلك لأن بني سَلُول كانوا محتقرين في العرب، ونزلت صاعقة على أربد بعدما وصل أهله فقتلته ومن شعر عامر بن الطفيل قوله:

وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسَها المشهور في كل موكب [1] ...

فما سوَّدتْني عامر عن وراثة ... أبي الله أن أسمو بأم ولا أب ...

ولكنني أحمي حماها وأتَّقى ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي [2]

دريد بن الصمة

وأما دريد بن الصمة، فكان فارس عَلْيا هَوازِن وثَقيف وهو صاحب ربيعة بن مكَدَّم في القصة المتقدمة لما أعطى رمحه لربيعة، وكان دُرَيد من المعمَّرين قيل: عاش مائتي سنة، وكان شاعرًا مجيدًا وأدرك الإسلام شيخًا هرمًا وحضر حُنينًا مع قومه هوازن، وكانوا أركبوه في هودج وأحضروه معهم للمشورة وولوا أمرهم مالك بن عوف النصْرى وساقوا معهم نساءهم وأموالهم ونزلوا أوْطاس، وكان دُريد قد عمي، فقال لهم: بأي وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نِعْم مجال الخيل لا حَزْن ضَرْسٌ [3] ولا سهل دَهْسٌ [4] مالي أسمع رُغاء البعير ونهيق الحمير وبكاء الصغير ويُعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ودُعي له فقال: يا مالك؛ إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ما هذا الذي

(1) وفي «مروج الذهب» للمسعودي تدل الشطر لثاني ما نصه (وفي السر منها والصريخ المهذب) .

(2) وفي مروج الذهب (بمقنب) بدل «بمنكبي» والمقنب: مخلب الأسد: أو الكتيبة.

(3) خرس: شديد خشن.

(4) دهس: ليس برمل ولا تراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت