الصفحة 56 من 64

حرب الخوارج، وولى عمر بن عبيد الله على فارس إلى أن ملك عبد الملك بن مروان العراق من ابن الزبير، وقتل أخاه مصعبًا، وخرج على عبد الملك من الخوارج أبو فُدَيك، وأرسل معه عشرة آلاف من أهل الكوفة والبصرة، فسار إليه وأهل الكوفة في ميمنته وعليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله. وأهل البصرة في ميسرته وعليهم عمر بن موسى أخوه، وهو في القلب فانتهوا إلى البحرين واصطفوا للقتال، وحملوا على أبي فُذيك وأصحابه فهزموهم، واستباحوا عسكرهم، وقتلوا أبا فُديك، وحصروا أصحابه بحصن المشقّر حتى نزلوا على الحكم فقتل منهم ستة آلاف، وأسر ثمانمائة وذلك سنة سبعين وقد ولى ولايات متعددة، وشهد مع عبد الرحمن بن سُمرَة فتح كابل، وهو صاحب الثغرة، وكان قاتل عليها طول الليل حتى أصبح، وله مناقب عظيمة، وكان أحد أجواد العرب وأنجادها، وقد مدحه العجاج بأرجوزته المشهورة: قد جبر الدين الإله فجبر.

وفيها يقول:

لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدًا من بعيد وصبر

وغيره من الشعراء، وكان سبب موته أن ابن أخيه عمر بن موسى خرج مع ابن الأشعث على الحجاج فأخذه الحجاج فبلغ ذلك عمه عمر وهو بالمدينة، فخرج إلى الشام لعبد الملك يشفع فيه، فلما بلغ موضعًا يقال له: ضُمَيْر، بينه وبين

/74 دمشق خمسة عشر ميلًا بلغه أن الحجاج ضرب عنق ابن أخيه فمات كمدًا عليه، فقال الفرزدق يرثيه:

يا أيها الناس لا تبكوا على أحد ... بعد الذي في ضُمَيْرٍ وافق القدر

وذلك سنة اثنتين وثمانين، وقيل: مات بالطاعون، وصلى عليه عبد الملك بن مروان، ومشى في جنازته، وحضر دفنه، وأثنى عليه بعد موته رحمه الله.

المهلب بن أبي صفرة

الأزدي، الشجاع المشهور، أحد الدهاة، كان فارسًا بطلًا فقيهًا حليمًا شريفًا في قومه، ولد عام الفتح في زمن النبي صل الله عليه وسلم ولم يره، وأبوه من الصحابة، تقدم لنا شيء من خبره في ترجمة عمر بن معمر في ذكر الخوارج، وكان أهل البصرة حينما عاثت الخوارج الأزارقة في الأرض، وقتلوا بعض القواد، وهزموا بعضًا فزعوا إلى الأحنف بن قيس سيد بني تميم فأتى بهم إلى الحارث قُبَاع عامل البصرة، فقالوا له: إن هذا العدو قد غَلَبَناَ على سَوادنا وفيئنا، وما بقي إلا أن يَحْصُرَنا في بلدنا حتى نموت هَزْلًا، فقال لهم: اختاروا رجلًا، فقال الأحنف: ما أرى لهم إلا المهلب، فقال القباع: اذهبوا، واتفقوا على رجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت