الصفحة 55 من 64

مثلها لأحد فقد شهدته في وقائق ما نودي في القوم لحرب إلاّ كان أول فارس يطلع حتى يشد على قِرنه فيضربَه وإن رَدَّ إليكم المهلب؛ فهو مَن قد عرفتموه إن أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر يمده إذا أرسلتموه ويرسله إذا مددتموه، لا يبدؤكم إلا أن تبدؤه، إلا أن يرى فرصة فينتهزها، فهو الليث المبربِرُ، والثعلب الرواغ، والبلاء المقيم، فلما بلغ المهلبَ أن مصعبًا ولى عمر بن عبيد الله على حرب الخوارج، قال: رماهم بفارس العرب وفتاها، فزحف

/72 إليهم عمر، وقاتلهم وألحَّ عليهم حتى أخرجهم من فارس، وألحقهم بأصفهان، ثم أتوا سابور، وجمعوا له وأعدوا واستعدوا، فسار إليهم حتى نزل على أربعة فراسخ منهم، فقال له مالك بن حسان الأزدي: إن المهلب كان يذكى العيون، ويخاف البيات، ويرتقب الغفلة، وهو على أبعد من هذه المسافة منهم، فقال له عمر: اسكت خلع الله قلبك، أتراك تموت قبل أجلك؟ فأقام هناك فبيَّته الخوارج ليلة، فخرج إليهم وحاربهم حتى أصبح فلم يظفروا منه بشيء، فقال لمالك بن حسان: كيف رأيت؟ قال: قد سلَّم الله ولم يكونوا يطمعون في المهلب بمثل هذا، فقال: أما إنكم لو ناصحتموني مناصحتكم المهلب لرجوت أن أنفي هذا العدو، ولكنكم تقولون: قرشي حجازي بعيد الدار خَيرُه لغيرنا فتقاتلون معي تعذيرًا، ثم زحف إلى الخوارج في غير ذلك اليوم فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى ألجأهم إلى قنطرة، فتكاثف الناس عليها حتى سقطت فأقام حتى أصلحا ثم عبروا، وقدم ابنه عبيد الله وراء الخوارج فقاتلهم حتى قتل، فقال قطري للخوارج: لا تقاتلوا عمر اليوم؛ فإنه موتور، ولم يعلم عمر بقتل ابنه حتى وصل إلى الجيش فناداهم: أين ابني؟ فقالوا: احتسبه، فقد استشهد رحمه الله صابرًا مقبلًا غير مدبر، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم حمل على الناس حملة لم ير مثلها، وحمل أصحابه بحملته فقتلوا في حملتهم تسعين رجلًا من الخوارج، ووصل إلى قطري فضربه على جبينه ففلقه، ونجا قطري، وانهزمت الخوارج، وحوى ما عندهم من الذخائر، فلما استقروا قال لهم: قطري: أما أشرت عليكم بالانصراف فخرجوا من فارس وجمعوا جمعًا آخر، وعادوا إلى أرَّجان، فسار إليهم عمر وكتب إلى مصعب: أما بعد؛ فإني قد لقيت الأزارقة فرزق الله عبيد الله ابني الشهادة، ووهب له السعادة، ورزقنا الله عليهم الظفر فتفرقوا شذر مذر، وبلغني عنهم عودة فيممتهم، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، فسار إليهم فالتقوا فألح عليهم حتى اثخن فيهم، وانفرد من أصحابه فعمد له أربعة عشر رجلًا من شجعانهم وفي يده عمود، فجعل لا يضرب رجلًا منهم ضربة إلا صرعه، فركب إليه قطري

/73 على فرس طِمِرّ، وكان عمر على مهر فاستعلاه قطري بقوة فرسه حتى كان يصرعه فحمل مُجَّاعة بن سِعْر السعدي التميمي من أصحابه على قطري، فصاحت الخوارج بقطري: يا أبا نعامة؛ إن عدوَّ الله قد رَهَقَك فانحط قطري عن قربوسه فطعنه مجاعة، وعلى قطري درعان فهتكهما، وأسرع السنان في رأس قطري فكشط عنه جلده ونجا، ثم ارتحلوا إلى أصفهان، ورجعوا إلى الأهواز، ثم رد ابن الزبير المهلب إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت