الصفحة 61 من 64

زعمهم، وأرسل الحجاج الجرَّاحَ بن عبد الله الحَكَمي إلى المهلب يستبطئه في مناجزة القوم وكتب معه: أما بعد؛ فإنك جبيت الخراج بالعِلل، وتحصنت بالخنادق، وطاولت القوم وأنت أعز ناصرًا، وأكثر عددًا، وما أظن بك مع هذا معصية ولا جبنا، ولكنك اتخذَتْ أكْلًا، وكان بقاؤهم أيسرَ عليك من قتالهم فناجِزْهم وإلا أنكرْتَنِي والسلام.

فقال المهلب للجراح: يا أبا عقبة، والله ما تركت حيلة إلا احتلتها، ولا مكيدة إلا أعملتها، وما العجب من إبطاء النصر، وتراخي الظهر، ولكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يُبْصِره، ثم ناهضهم ثلاثة أيام يغاديهم القتال ولا يزالون كذلك إلى العصر، وينصرف أصحابه وبهم قَرْح، وبالخوارج قَرْح وقتل فقال له الجرَّاح: قد أَعْذَرْتَ، فكتب إلى الحجاج: أتاني كتابك تستبطئني في لقاء القوم على أنك لا تظن بي معصية ولا جبنًا، وقد عاتبتني معاتبة الجبان، وأوعدتني وعيد العاصي، فاسأل الجرَّاح والسلام.

فقدم الجرّاح فقال له الحجاج: كيف رأيت المهلَّب؟ فقال: والله ما رأيت أيها الأمير مثله قط، ولا ظننت أن أحدًا يبقى على مثل ما هو عليه، ولقد شهدت أصحابه أيامًا ثلاثة يغدون إلى الحرب ثم ينصرفون عنها وهم بها يتطاعنون بالرماح، ويتجالدون بالسيوف، ويتخابَطُون بالعَمَد، ثم يروحون كأن لم يصنعوا شيئًا رَواح قوم تلك عادتهم وتجارتهم، فقال الحجاج لشلد ما مدحته أبا عُقبة، قال: الحق أولى، ثم أرسل الحجاج أيضًا إلى المهلب رجلين يستحثانه المناجزة أحدهما ثَقَفي [1] ، والآخر يقال له: زياد بن عبد الرحمن العامِري [2] ، فضم المهلب زيادًا إلى ابنه حَبيب، والثقفي إلى ابنه يزيد، وقال لهما: خُذا يَزيدَ وحبيبًا بالمناجزة، فغادوا الخوارج فاقتتلوا أشد قتال فقُتل زِياد رسول الحجاج وفُقد الثقفي، ثم باكَرُوهم في اليوم الثاني وقد وُجِد

/81 الثقفي فدعا به المهلب ودعا بالغَداء فجعل النَّبْل يقع قريبًا منهم، والثقفي يعجب من أمر المهلب فقال الصَّلَتَان العَبْدِي في ذلك:

ألا يا أصْبَحَانِي قبْل عَوْق العوائِق ... وقبْلَ اخْتراطِ القوم مثل العَقائق [3] ... وضع الحركات ... وضع الحركات

غَدَاةَ حَبيبٌ في الحديد يَقُودُنا ... نَخُوضُ المنايا في ظِلال الخْوافِق

حَرونٌ إذا ما الحرْب طَارَ شَرارُها ... وهَاج عَجاجُ الحرب فوْق البَوارق

فَمَنْ مبلغُ الحجَّاج أنَّ أمينه ... زيادًا أطاحَتْه رِماحُ الأزارق

ثم وجه الحجاج أيضًا للمهلب رجلين [4] يستحثانه، فقال المهلب متمثلًا في الحجاج:

(1) من آل أبي عقيل جدا الحجاج.

(2) من بني عامر بن صعصعة.

(3) العقائق: السيوف: جمع عقيقة. يقال سيف كأنه عقيقة برق أي كأنه لمعة برق.

(4) أحدهما من"كلب"والآخر من"سليم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت