فيتعين فرضًا على القارئ تحصيل ما يسدده إلى القطع السليم، ويهديه إلى الابتداء القويم، فيستظهره حفظًا وعلمًا، ويستنبطه فطنة وفهمًا، ويدارس به الأئمة النبلاء، والمشيخة الفهماء، حتى إذا قرأ وصل ما يجب وصله، وفصل ما يجب فصله، ويتعمد القطع لقارئ في موضع تعمد الوصل فيه لغيره، ويتحرى فيصل المنعوت بنعته، والفعل بفاعله، والفاعل بمفعوله، والمؤكد بمؤكده، والبدل بالمبدل منه، والمستثنى بالمستثنى منه، والمعطوف بالمعطوف عليه، والمضاف بالمضاف إليه، والمبتدآت بأخبارها، والأحوال بأصحابها، والأجوبة بطالبها، والمميزات بمميزاتها، وجميع المعمولات بعواملها، ولا يفصل شيئًا من هذه الجمل إلا في بعض أجزائها، إن كان رأس آية، فإن السنة أحكمت الفصل فيها، ويستذكر لازمه من ذلك حين دراسته، ويستثبته وقت إيراده ومباحثته، حتى يميز المقاطع التامة من المقاطع الكافية، من المقاطع الحسنة، من المقاطع القبيحة، وما لا يجوز الوقف عليه جملة.
[نظام الأداء: 22]
وقد نهج علماؤنا - رحمة الله عليهم - السبيل إلى معرفة الوقف وأقسامه بما نذكره مقتضبًا، إيتاءً على جميع أحكامه، بتوفيق الله وإنعامه.
فصل: روى أبي بن كعب رضي الله عنه قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الملك كان معي فقال: اقرأ القرآن، فعدّ حتى بلغ سبعة أحرف، فقال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة) .
قال علماؤنا، فهذا تعليم التمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام، إذ ظاهره دال على أنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار والعقاب ويفصلها مما
[نظام الأداء: 23]
بعدها، إن كان بعدها ذكر الجنة أو الثواب، وبالضد ذلك لازم أيضًا، يقطع القارئ على قوله تعالى: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ولا يصله بقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ويقطع على {الصالحات} فإن فعل جعل الفريقين في جهة واحدة.
ومثله: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} يقطع ويبتدئ: {الذين يحملون العرش ... } . هذان مثالان يقاس عليهما ما كان بمعناهما، وما يُخْشَى فيه صرف جملتين إلى معنى إحداهما، أو قطع جملة عن حقها فيما بعدها، كما قال ميمون بن
[نظام الأداء: 24]
مهران: «إني لأقشعر من قراءة أقوام، يرى أحدهم فيما عليه ألا يقصر عن العشر، إنما كانت القرّاء تقرأ القصص، إن طالت أو قصرت، يقرأ أحدهم اليوم: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} . قال: ويقوم في الركعة الثانية فيقرأ: {ألا إنهم هم المفسدون} » .
وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي. فقلت: له: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فافتتحت سورة النساء، [فلما بلغت] : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا