الصفحة 18 من 26

النوع السادس: الاستعارة

المناسب تأخير هذا الباب عن باب التشبيه، إذ الاستعارة متولدة بين المجاز والتشبيه كما قيل: زوج مجازك على تشبيهك، يلد لك استعارة، فهي من أنواع المجاز، إلا أنها تفارق سائر أنواعه، ببنائها على التشبيه، (وهي) أي الاستعارة (تشبيه) لشيء بشيء (بلا أداة) أي: مع حذف وجه الشبه، وأحد المشبه والمشبه به أيضًا. (وذاك) التشبيه المذكور (كالموت) المستعار للضلال، (وكالحياة) المستعارة للهداية، كما قال الناظم (في مهتد وضده) وذلك في قوله تعالى: {أومن كان ميتًا فأحييناه} ، أي: ضالًا فهديناه، استعير لفظ الموت للضلال والكفر، والإحياء للإيمان والهداية، بجامع عدم الفوز في الأول، والفوز في الثاني، و (كمثل هذين) التشبيهين (ما) أي: التشبيه الذي (جاءكـ) محيء (سلخ الليل) في قوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} . استعير السلخ من سلخ الشاة، وهو كشط جلدها، لكشف الضوء عن مكان الليل، والجامع: ما يعقل من ترتيب أمر على آخر، وحصوله عقب حصوله، كترتب ظهور اللحم على الكشط، وظهور الظلمة على كشف الضوء، عن مكان الليل، ثم للاستعارة أنواع كثيرة، محل بسطها فن البيان.

(فائدة) اختلفوا في الاستعارة: هل هي مجاز لغوي أو عقلي، على قولين.

والصحيح الأول، لأنها موضوعة للمشبه به، لا للمشبه، ولا للأعم منهما، فأسد مثلًا في قولك رأيت أسدًا يرمي، موضوع للسبع، لا للرجل الشجاع، ولا للأعم منهما، كالحيوان الجريء، ليكون إطلاقه عليهما حقيقة، كإطلاق الحيوان عليهما، والله أعلم.

النوع السابع: التشبيه

قال في الإتقان: والتشبيه من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها، قال المبرد في الكامل: لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب لم يبعد، وقد أفرد تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغدادي، واختلفوا في تعريفه، فعرفه جماعة منهم السكاكي، بأنه: ما دل على اشتراك أمر لأمر في معنى بينهما، وإليه أشار الناظم بقوله (وما) : خبر مقدم عن قوله بعد التشبيه، وهي واقعة على الكلام. وقوله (على اشتراك أمر) يتعلق بقوله (دلا) ، بألف الإطلاق، ويتعلق باشتراك قوله (مع غيره التشبيه) . والمعنى: التشبيه، أي تعريفه: هو الكلام الدال على اشتراك أمر مع غيره في معنى بينهما (حيث حلا) أي في أي وقت ومكان حل ونزل، فالحيثية للإطلاق، وهذا الحد اشتمل على ثلاثة من أركان التشبيه: الطرفان والوجه، وبقي الرابع، وهي الآلة: وقال ابن أبي الإصبع في تعريفه: هو إخراج الأغمض إلى الأظهر، وقال غيره: هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه، وقيل غير ذلك. (والشرط ههنا) أي في التشبيه (اقترانه) أي التشبيه (معا) بألف الإطلاق (أداته) بالجر: مضاف إليه. ثم الاقتران المذكور إما لفظًا أو تقديرًا قال أهل البيان: ما فقد الأداة لفظًا إن قدرت فيه الأداة فهو تشبيه، وإلا فاستعارة، وبذلك يفترقان، ومثلوه بقوله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ، وأداته كثيرة منها الكاف، ومثل بالسكون، ومثل بالتحريك، وكأن ونحوها، وكلها تدخل على المشبه به، إلا كأن، فتدخل على المشبه، (وهو) أي التشبيه (كثيرًا) صفة مقدمة لمفعول مقدر لقوله (وقعا) بألف الإطلاق أي وهو وقع في القرآن وقوعًا كثيرًا، منه قوله تعالى: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ... } الآية شبهت زهرة الحياة الدنيا، ثم فناؤها بزهرة النبات في أول طلوعها، ثم تكسره وتفتته بعد يبسه، بجامع عدم الاستقرار في كل منهما.

(فائدة) : مع كثرة وقوع التشبيه في القرآن لم يقع فيه تشبيه شيئين بشيئين، ولا أكثر من ذلك، كما في الإتقان، وإنما وقع فيه تشبيه واحد بواحد. والله أعلم.

العقد الخامس

ما يرجع إلى مباحث المعاني المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعًا

النوع الأول: العام الباقي على عمومه

العام: هو ما عم شيئين فصاعدًا، من غير حصر، وضده الخاص، وهو: ما لا يتناول شيئين فصاعدا من غير حصر (وعز) أي: العام الباقي على عمومه، إذ ما من عام إلا وخص (إلا قوله) تعالى (والله بكل شيء أي عليم) ، فإنه باق على عمومه، إذ الشيء عام غير مخصوص: فالله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء: من الكليات والجزئيات (ذا هو) أي هذا هو العام الباقي على عمومه، (وقوله) بالنصب، عطفًا على قوله المتقدم (خلقكم من نفس واحدة، فخذه دون لبس) أي فإن الخطاب بقوله خلقكم لجميع البشر، وكلهم من ذرية آدم بلا تخصيص، ثم ظاهر كلام الناظم حصر العام الباقي على عمومه في هذين فقط تبعًا للنقاية إذ قال فيها: ولم يوجد لذلك مثال، مما لا يتخيل فيه تخصيص، إلا قوله تعالى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت