فهرس الكتاب
وفي عد الالتفات من أنواع المجاز نظر، والصحيح كما في الإتقان أنه ليس منها، بل من أنواع الخطاب، فإنه حقيقة، قال الشيخ بهاء الدين السبكي: لم أر من ذكره، هل هو حقيقة أو مجاز؟ قال: وهو حقيقة، حيث لم يكن معه تجريد اهـ.
مثال الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، قوله تعالى: {مالك يوم الدين * إياك نعبد} . الأصل: إياه نعبد، إذ الاسم الظاهر معدود من الغيبة عندهم، فينتقل منها إلى الخطاب، وهو إياك، ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} . الأصل: وجرين بكم، ليوافق قوله: (كنتم) ، فينتقل منه إلى الغيبة، وهو بهم، ومن المتكلم إلى الخطاب قوله تعالى: {ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} الأصل: وإليه أرجع، إذ قوله أعبد وفطرني، كلاهما للتكلم، فينتقل إلى الخطاب، وهو ترجعون، ومن التكلم إلى الغيبة قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر} الأصل: (فصل لنا) : إذ قوله أعطينا للتكلم، فينتقل منه إلى الغيبة، وهو لربك، ومن الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه} الأصل: فساقه، إذ قوله الذي ... إلخ، للغيبة، فينتقل منها إلى التكلم، وهو فسقناه، ومنها (التكرير) للفظ أو لجملة، نحو قوله تعالى: {كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون} ، وفي عد هذا من المجاز خلاف، كما في الإتقان، والصحيح فإنه حقيقة، ومنها (زيادة) أي مجاز بالزيادة، نحو قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ، على رأي من قال بزيادة الكاف، وفي عده من أنواع المجاز تفصيل، ذكره في الإتقان، نقلًا عن الإيضاح، وهو أنه متى تغير إعراب الكلمة، بحذف أو زيادة، فهي مجاز، نحو: {واسأل القرية} ، و {ليس كمثله شيء} ، وإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغير الإعراب، نحو: {كصيب} ، {فبما رحمة} ، فلا توصف الكلمة بالمجاز اهـ.
ومنها (تقديم أو تأخير) أي وتأخير فأو بمعنى الواو، نحو قوله تعالى: {فضحكت فبشرناها بإسحاق} ، الآية، الأصل بشرناها بإسحاق فضحكت، إذ الضحك مسبب عن التعجيب على البشارة بحصول الولد، وهو إسحاق، وفي عد هذا أيضًا من المجاز شيء قال في الإتقان، نقلًا عن البرهان: والصحيح أنه ليس منه، إذ المجاز نقل ما وضع إلى ما لم يوضع له اهـ. والله أعلم.
النوع الرابع: المشترك
المراد بالمشترك هنا: المشترك اللفظي، إذ هو المنصرف إليه عند الإطلاق، لا المعنوي، والفرق بينهما: أن المشترك اللفظي: هو ما تعدد فيه الوضع والمعنى، دون اللفظ، كما ستأتي أمثلته، والمشترك المعنوي: هو ما اتحد فيه الوضع والمعنى واللفظ، لكنه يشمل أفرادًا، فهو المعنى بالكلي عند علماء الميزان، وذلك كلفظ العين المراد به الباصرة، فإن لفظه واحد، وكذلك الوضع والمعنى، لكنه يشمل عين زيد وعمرو وبكر وغيرهم، وكالإنسان فإن لفظه ووضعه ومعناه واحد، وهو الحيوان الناطق، لكنه يشمل أفرادًا كزيد وبكر وخالد، هذا، وأما القدر المشترك، فهو القدر الذي يشترك فيه الجزئيات المختلفة الحقائق، كالحيوانية في القدر الذي يشترك فيه الإنسان والبقر، وكالجسمية في القدر الذي يشترك فيه الإنسان والحجر، وقد اكتفى الناظم عن تعريفه بذكر بعض أمثلته.
فقال (قرء) أي مثال المشترك اللفظي قرء، فإنه للحيض والطهر. (وويل) فإنها لكلمة عذاب، ولواد في جهنم، كما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري، و (ند) : بكسر النون، فإنه للمثل والضد (والمولى) فإنه للسيد والعبد، وقوله (جرى) أي جرى في المذكورات إطلاق اسم المشترك و (تواب) فإنه للتائب، والقابل للتوبة. و (الغي) بفتح الغين، فإنه اسم لواد في جهنم، ولضد الرشد، كما قاله ابن مسعود في قوله تعالى: {فسوف يلقون غيا} و (مضارع) فإنه يستعمل للحال والاستقبال، و (ورا) بالقصر: لغة في وراء، فإنه للخلف والأمام، كما في قوله تعالى: {وكان وراءهم ملك} أي: أمامهم. والله أعلم.
النوع الخامس: المترداف
وهو لفظان أو أكثر بإزاء معنى واحد، وفي القرآن كثير، وأشار الناظم إلى بعض أمثلته، فقال: (من ذاك) أي: المترداف (ما) أي: لفظان، (قد جاء) مجيئًا (كـ) مجيء (الإنسان وبشر) في كون معناهما واحدًا، وهو الحيوان الناطق، سمي بالأول لنسيانه، وبالثاني لظهور بشرته، أي ظاهر جلده، خلاف غيره من سائر الحيوانات، ويتعلق بجاء قوله (في محكم القرآن. و) كمجيء (اليم والبحر) بالجر، عطفًا في الإنسان، فإن معناهما واحد (كذا العذاب) و (رجس، ورجز) في كونها من المترادف، إذ معناها واحد، وقوله (جاء يا أواب) أي: كثير الأوبة والتوبة، تكملة، والله أعلم.