فهرس الكتاب
إمامنا الشافعي في رسالته على القائل بوجود المعرب في القرآن، وأجاب هؤلاء كما في شرح النقاية، بأن هذه الألفاظ القليلة، لا تخرجه عن كونه عربيًا، فالقصيدة العربية التي فيها كلمة فارسية، لا تخرج عن كونها عربية، وبالعكس، قال في الإتقان: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: والصواب عندي مذهب فيه تصديق للقولين جميعًا؛ وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، كما قال الفقهاء، ولكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال إنها أعجمية فصادق.
ومال إلى هذا القول الجواليقى وابن الجوزي وآخرون، وقوله (احذرا) بالألف المنقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، تكملة، أي احذرن من أن تقول إن في القرآن لفظًا غير عربي، والله أعلم.
النوع الثالث: المجاز
قال في الإتقان: لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن، وهي كل لفظ بقي على موضوعه، ولا تقديم ولا تأخير، وهذا أكثر الكلام، وأما المجاز فالجمهور أيضًا على وقوعه، وأنكره جماعة، منهم الظاهرية، وابن القاص من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية.
وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة، فيستعير، وذلك محال على الله تعالى. وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز في القرآن، لسقط منه شطر الحسن، ثم المجاز عندهم ينقسم إلى قسمين: الأول مجاز في التركيب، ويسمى مجازًا في الإسناد، ومجازًا عقليًا، وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة، لملابسته له، كقوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا} ، أسندت الزيادة، وهي فعل الله، إلى الآيات، لكونها سببًا لها، والثاني مجاز في المفرد، ويسمى المجاز اللغوي، والمجاز المرسل، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولًا، لعلاقة غير مشابهة، وقد نظم شيخنا الشيخ علي المالكي علاقات المجاز المرسل في بيتين، بقوله:
علق بكل سبب أول بدل = ولازم عموم إطلاق محل
مقابل لذي تعلق حصل = جوار استعداد آلة العمل
وللمجاز أيضًا أنواع كثيرة: منها ما ذكره الناظم بقوله (منها) أي نوع أنواع المجاز (اختصار الحذف) نحو قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ، أي فأفطر فعدة .. الخ، ونحو قوله تعالى: {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف} ، أي فأرسلوه، فجاء فقال: يا يوسف، ثم كون الاختصار من أنواع المجاز: على المشهور، وقد أنكره بعضهم، كما في الإتقان، ومنها (ترك الخبر) نحو قوله تعالى: {فصبر جميل} ، أي صبري صبر جميل، (و) منها (الفرد) و (جمع إن يجز) بالبناء للمجهول، أي إن يستعمل مجازًا (عن آخر) مثال الجمع عن المفرد قوله تعالى: {رب ارجعون} ، أي ارجعني، ومثال المفرد قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} ، أي الأناسي، بدليل الاستثناء منه، وقوله تعالى {والملائكة بعد ذلك ظهير} أي ظاهرون (واحدها من المثنى) أي واجعل واحد الكلمة المستعملة مجازًا عن الأخرى من المثنى، أي واجعلهما، أي المفرد والجمع مع المثنى، ولو عبر به لكان أظهر، بأن استعمل كل واحد من الثلاثة عن الآخر، مثال المفرد عن المثنى قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} أي يرضوهما، ومثال المثنى عن المفرد قوله تعالى: {ألقيا في جهنم} أي ألق، ومثال المثنى عن الجمع قوله تعالى: {فارجع البصر كرتين} أي كرة بعد كرة.
ومثال الجمع عن المثنى قوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} فإنها تحجب بالأخوين (و) منها استعمال (الذي عقل عن ضد له) وهو غير العاقل، نحو قوله تعالى: {قالتا أتينا طائعين} و {رأيتهم لي ساجدين} ، جمع الوصفان بالياء والنون، وهو من خواص العقلاء، والموصوف وهو السماء والأرض والكواكب من غيرهم، والمسوغ لذلك تنزيله منزلته، ومنها استعمال لفظ غير العاقل في العاقل، كما قال الناظم (أو عكس ذي) أي الاستعمال كقوله تعالى: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض} ، أطلق سبحانه وتعالى لفظ"ما"على الملائكة والثقلين، وهو موضع لغير العاقل، لكن لما اقترن به غلب لكثرته، وإن كان الأكثر في مثل هذا تغليب العاقل لشرفه، ومنها (سبب) أي استعماله على مسبب نحو قوله تعالى: {يذبح} أي فرعون، أبناءهم، أي بني إسرائيل، أي يأمرهم بذبحهم، فأسند إليه، لأنه سبب فيه، ومنها (التفات) وهو الانتقال من واحد من التكلم والخطاب والغيبة، إلى الآخر، وهو عند السكاكي أعم منه عند الجمهور، إذ لا يشترط عنده التعبير بالغير أولًا، فقول الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا، التفات عنده، لأنه معدول عن أنا، لا عندهم، لعدم تقدم خلافه.