فهرس الكتاب
وأما الْخُنثى: فهوَ مأخوذٌ من الانخناثِ، وهوَ التَّثَنِّي والتَّكَسُّرُ، أوْ منْ قولِهم خَنَثَ الطعامُ إذا اشْتَبَهَ أمْرُه فلم يَخْلُصْ طعمُه، وهوَ منْ لهُ فرْجَا ذكَرٍ وأنثى، أوْ لهُ ثُقْبٌ فقطْ والمقصودُ إرثُ الْمُشْكِلِ وإرثُ منْ معه فالْمُشْكِلُ لا يكونُ أبًا، ولا أمًّا ولا جَدًّا ولا جَدّةً، ولا زوجًا، ولا زوجةً لأنَّهُ لا تَصِحُّ مُناكحةٌ ما دامَ مُشْكِلًا، وهوَ مُنحصِرٌ في أربَعِ جِهاتٍ وهيَ البُنوَّةُ، والأخوَّةُ والعمومةُ، والولاءُ، وكذا الإدلاءُ بواحدٍ منها، واختلَفَ الأئمَّةُ في ذلكَ فعندَ الإمامِ أبي حنيفةَ يُعامَلُ الخنثى وحدَه بأضَرِّ حالَتَيْهِ، وعندَ الإمامِ الشافعيِّ تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بينَ الوَرَثَةِ والخُنثى على تقديرِ الأقَلِّ لكلٍّ من الوَرَثَةِ والخُنثى إن وَرِثَ بتَقْدِيرَي الذكورةِ والأنوثةِ مُتفاضلًا كابنٍ خُنثى معَ ابنٍ واضحٍ فالأقلُّ نصيبُ الأنثى للخُنثى، والواضحُ الخُنثى ذَكَرًا فيُعطى الخُنثى الثلُثَ، والواضحُ النصفَ، ويُوقَفُ السدُسَ، وكزوجٍ أوْ أمٍّ، وخُنثى شقيقٍ فالأضَرُّ في حقِّ الخُنثى ذكورتُه وفي حقِّ الزوجِ أنوثتُه فيُعْطَى المتيَقَّن وهوَ الأقلُّ فيما سَبَقَ، والعَدَمُ إن وَرِثَ بأحدِهما فقطْ كوَلَدِ عمٍّ خُنثى معَ مُعتِقٍ فلا شيءَ لهُ بتقديرِ الأنوثةِ، ولا يُعْطَى المُعتِقُ شيئًا لاحتمالِ ذكورتِه وإذا عامَلْتَ الخُنثى ومنْ معه بالأضَرِّ فيُوقَفُ المشكوكُ فيهِ إلى الاتِّضاحِ أو الصلْحِ بتَساوٍ أوْ تفاضُلٍ، ولا بدَّ منْ جَرَيانِ التواهُبِ ويُغتَفَرُ الجهْلُ هنا لضرورةٍ، فإن وَرِثَ بهما متساويًا كوَلَدِ أمٍّ أوْ مُعتِقٍ فيُعطى نصيبَه في الحالِ منْ غيرِ توقُّفٍ وعندَ المالكيَّةِ نصفُ نَصِيبَيْ ذكَرٍ وأنثى إن وَرِثَ بهما متفاضِلًا وذلكَ بأن يكونَ الخُنثى من الأولادِ أوْ أولادِ الابنِ أو الإخوةِ لغيرِ أمٍّ، وإن وَرِثَ بأحدِهما فقطْ كوَلَدِ أخٍ خُنثى معَ عمٍّ فبتقديرِ ذكورتِه يَرِثُ المالَ كلَّه وبتقديرِ أنوثتِه لا يَرِثُ شيئًا معَ العمِّ وكوَلَدِ أبٍ خُنثى معَ زوجٍ وأختٍ شقيقةٍ فبتقديرِ أنوثتِه يَرِثُ سبُعَ المالِ، وبتقديرِ ذكورتِه لا يَرِثُ شيئًا يُعْطَى نصفَ الذي كان لهُ بذلكَ التقديرِ، وهوَ في المثالِ الأوَّلِ نصفُ المالِ وفي الثاني نصفُ سبعةٍ، وفرَّقَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَه اللَّهُ تعالى فقالَ: إن رَجَا اتِّضَاحَه لكونِه صغيرًا أُعْطِيَ هوَ ومنْ معه اليقينَ وهوَ ما يَرِثُه بكلِّ تقديرٍ، ومنْ يَسقُطُ بهِ في إحدى الحالتين لم يُعْطَ شيئًا، ويُوقَفُ الباقي حتَّى يَبلغُ فَيَبِينُ حالُه، فإن ماتَ أوْ عُدِمَت العلاماتُ بعدَ بلوغِه فإن وَرِثَ بكونِه ذَكَرًا كوَلَدِ أخي الميِّتِ أوْ عَمِّه فلهُ نصفُ ميراثِ ذكَرٍ فقطْ وإن وَرِثَ بكونِه أنثى كأبوين، وزوجٍ، وولدِ ابنٍ خُنثى فلهُ نصفُ ميراثِ أنثى فقطْ، وإن وَرِثَ بهما متفاضِلًا كوَلَدِ خُنثى معَ ابنٍ واضحٍ وكزوجٍ، وأمٍّ، وخُنثى شقيقٍ لهُ نصفُ ميراثِ ذكَرٍ ونصفُ ميراثِ أنثى، فالأمامُ أحمدُ كالإمامِ الشافعيِّ إن رَجَا اتِّضاحَه، وكالمالكيَّةِ إن لم يُرْجَ اتِّضاحُه، ومما خالَفَ فيهِ الإمامُ أحمدُ الإمامَ الشافعيَّ إذا وَرِثَ الخُنثى بحالةٍ دونَ أخرى وكان يُرْجَى اتِّضاحُه، فإن أَيِسُوا من الاتِّضاحِ فالإمامُ أحمدُ يُوَرِّثُ الخُنثى نصفَ الحالةِ التي يَرِثُ بها، والأمامُ الشافعيُّ يَمنَعُ الإرثَ بالكلِّيَّةِ عن الخُنثى الذي يَرِثُ بأحدِ التقديرين ويُوقِفُ نصيبَه المشكوكَ فيهِ إلى البيانِ أو الصلحِ.
فائدتان:
الْأُولى: عُلِمَ مما تَقدَّمَ أن للخُنثى خمسةً أحوالٍ، الأوَّلُ أن يَرِثَ بتقديرِ الذكورةِ والأنوثةِ على السواءِ كأخوين لأمٍّ، وأختٍ شقيقةٍ، ووَلَدِ أبٍ خُنثى، الثاني أن يَرِثَ بتقديرِ الذكورةِ أكثرَ كبنتٍ، وولدِ ابنٍ خُنثى، الثالثُ عكْسُ الثاني كزوجةٍ، وأمٍّ وولدِ أبٍ خُنثى، الرابعُ أن يَرِثَ بتقديرِ الذكورةِ فقطْ كوَلَدٍ مُعتِقٍ خُنثى، الخامسُ عكسُ الرابعِ كزوجٍ، وأبوين، وبنتٍ، وولدِ ابنٍ خُنثى.