فهرس الكتاب
[3/25] والشيئ المُعار، وشرطه أن يكون يمكن الانتفاع به من بقاء ذاته كالكتاب والثوب والبيت، بخلاف الطعام والنقد فلا يُعاران؛ لأنهما يستهلكان عند الانتفاع بهما، وإنما يقرضان، وأن تكون منفعته مباحة لمستعير فلا تعار الأمة أو الزوجة للاستمتاع بهما، ولا الأمَة لخدمة بالَغ غير محرَمٍ أو لِمَن تُعْتَقُ عليه لأنّ الخدمة فرع الملك، ومِلْكُها لا يستقرُّ لِمَن تُعْتَقُ عليه. وإن أعِيرت الأمَة أو العبد لِمَن يُعتقان علهي لم تصحَّ العارية، ويملكان خدمتهما تلك المدّة، ولا يملكها السيد ولا المستعير. وما به العارية وهي الصيغة من قول أو فعل تُفْهَمُ منه العارية. ثم إن قُيدت بزمن فلا إشكال في لزومها لأنها معروف وهو يلزم بالقول، وإن لم تُقَيَّدْ بزمن فاللازم ما تُعار لِمِثْلِه. قال خليل: ولزمت المقيَّدةُ بعمل أو أجلٍ لانقضائه وإلا فالمعتادة اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى:"وَضَمَانُهَا كالرَّهْنِ"يعني أنّ ضمان العارية كضمان الرهن. يضمن ما يُغاب عليه ولا يضمن ما لا يُغاب عليه نحو عَبْدٍ أو دابة، إلاَّ أن يتعدَّى فَيَضْمَن. قال في الرسالة: والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يُغاب عليه كما تقدَّم فراجِعْه إن شئت. قال بعضه: العارية مندوبة، وهي تميلك منفعة عين مباحة بلا عِوَض، إلاَّ البُضْع، وأمَة شابة لغير امرأة ومحرَمخ، وعَبْدًا مسلِمًا لكافر فلا تصح إعارتهم مَنْ يصحُّ تبرُّعُه مع بقاء عين العارية إذا كان المستعير ممَّنْ يصحُّ أن يتبرَّع عليه وضمن المستعير ما يثغاب عليه إلاَّ ا، يقيم بيَّنة على التَّلَفِ أو الضياع لا غيره ولو بِشَرْط، وإن حمَّل الدابة ما تُعْطَبُ به وعُطِبَتْ أُلزِم بدَفْع قيمتها لربَّها، وصَدقَ المستعير في رَدَّ ما لم يضمن إن لم يقبضه ببينة مقصودة للتوثق اهـ. قاله الشيخ محمد بن أحمد الشنقيطفي في الآيات المحكمات.
قال رحمه الله تعالى:"فَإِنْ أَعَارَ إِلَى أَجَلٍ فَلاَ رُجُوعَ قَبْلَهُ وَإِنْ أَطْلَقَ فَحَتَّى يَنْتَفِع بِها انْتِفَاعَ مِثْلِها: يعني كما تقدم إن قيَّده بزمن فلا إشكال، وإن لم يقيّد بأن أطلق فالعبرة حينئذ بالعادة في مثلها. قال ابن جزي في القوانين الثالث أي من أحكام العارية اللزوم، فإن كانت إلى أجَل معلوم أو قَدْرٍ معلوم كعارةي الدابة موضع كذا لم يُجزظْ لِرَبَّها أخْذُها قبل ذلك ذلك، وإلاََ لزمه إبقاؤها قَدْر ما ينتفع بها الانتفاع المعتادز قال أشهب: له أن يأخذها متى شاء اهـ."
قال رحمه الله تعالى:"وَلِمْمُسْتَعِيرِ أَن يُعيرَ وَإذّا عيَّن مَنْفَعَة لَمْ يَكُنْ لهُ مُجَاوَزَاتُها"يعني للمستعير أن يعِيرَ لغيره، إلاَّ إذا اشترط له المُعِير عَدَم الإعارة للغير فيمتنع. قال ابن جزي: الانتفاع حسبما يؤذَن له. قال خليل: وفَعَلَ المأذونَ، ومثلَه، ودونه، لا أضرَّ. قال في المدوَّنة: مَنِ استعار دابة ليحمَّل عليها حِنْطة [25] [26] فحمَّل عليها حجارة فكلُّ ما حَمَّل ممَّا هو أضرَّ بها ممَّا استعارها له فعُطِبَتْ به فهو ضامن، وإن كان مثله في الضَّرَر لم يَضْمَنْ، كحِمْلِه عدسًا في مكان حِنطة، أو كتّانًا أو قطنًا في مكان برّ، وكذلك من اكتراها لحِمْل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما اكتراها له فُعطِبتْ لم يَضْمَنْ، وإن اكتراها لحِمْل حنطة فرَكِبَها فَعُطِبَتُ فإن كان ذلك أضرَّ وأثقل ضمن وإلاَّ لم يضمن اهـ. وتقدَّم لنا مثل هذه المسألة في كتاب الإجارة عند قراءة: وحمل الأضرّ،وارتكابُ غير المماثل، وسلوكُ الأشقّ أو الأبعد اختيارًا يوجب ضمانها، فراجِعْه إن شئت.
ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّ بالعارية على اختصار انتقل يتكلم على الوديعة فقال رحمه اللهَّ تعالى:
فَصْلٌ
أي في باين ما يتعلَّ بأحكام الوديعة، وهي لغة: الأمانة. واصطلاحًا: هي مالٌ وُكَّلَ على حِفْظِه. وحُكْمُها كالعارية على ما تقدَّم بيانه في ذلك، أي على الوجه الذي تقدَّم بيانه في العارية. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها" [النساء: 58] وقوله تعالى:"فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي أؤتمن أمنتهُ" [البقرة: 382] وخبر:"أدّ الأمانة إلى مَنِ ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنُ خانك"وأداء الأمانة من علاماتالإيمان،ومن عمل المؤمنين. وأمَّا الخيانة فهي من علامات النفاق وعمل الفساق، وأجمعت الأمّة علىحُسْن الإيداع.
قال رحمه اللَّه تعالى:"الْمُودِعُ أَمِينٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَالرَّدَّ، فَإِنْ قَبَضَها بِبَيَّنَةْ لَمْ يُقْبَلْ رَدُّهَا بِغَيْرِها: يعني كما ف يالرسالة: والمودع إن قال رَدَدْتُ الوديعة إليك صُدَّق، إلاَّ أن يكون قَبَضَها بإشهاد، وإن قال ذهبت فهو مُصَدَّق، أي لأنه أمين والأمين مصدَّق في التّلَفَ والرَّدَّ؛ لأن الأصل في الأمانة عدم الضمان لِما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا ضمان على مؤتَمَن"رواه الدارقطني، هذا إذا لم يكن متمًا، وإلاَّ فيَصْدُق بيمينه، فإن نَكَلَ ضَمِنَه. قوله فإن قَبَضَها ببيَّنة إلخ أي إذا أخذها ببينة مقصودة فلا يَصْدُق في دعوى الرَّدَّة إلاَّ ببيَّنة تشهد على الرَّدَّ للقاعدة المشهورة، وهي أن كلَّ مَنْ دُفِعَ إليه شيئ من قِراض أو وديعة على يد بيَّنة بقَصْدِ التوثق لا يَصْدُقُ في دعوى ردَّه إلاَّ ببيَّنة. والمراد بالبيَّنة المقصودة للتوثُّق هي التي يقول مُشهدها اشهدوا أني إنَّما أشهدت خوف دعوى الردَّ أو الجَحْد. وأمَّا إشهادها خوف الموت أو خوف دعوى التَّلَفِ وما أشبهه ممَّا يعلم أنه لم يقصد به التوثق فإنه يَصْدُقُ في دعواه الرد اهـ النفراوي. [3/26] "