فهرس الكتاب
[3/23] الشرط السادس ممَّ شَرَطَهُ المالِكية من شروط الحَوَالة في فِقْهِ المذاهب الأربعة للعلاّمة الشيخ عبد الرحمن الجزيري، وفيه غنية راجعْ هناك إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: وَلاَ يُحَالُ عَلَى غَائِبٍ لاَ يُعْلَمُ حَالُهُ وَلاَ عَلَى مَيتٍ وَاللَّه أَعْلَمُ"يعني لا تجوز الحوالة على غائب الذي لا يمكن الاطلاع على حاله، وكذلك لا تجوز على ميت بعد موته ليأخذ من تركته. هذه المسألة أخرها المصنف تنبيهًا للخلاف الواقع فيها، ولذا أعقبها بقوله والله أعلم؛ لأن فيها قولين مرجحين بعد أن ذكر المشهور فيها بقوله: لا رضا المحال عليه. قال الدردير وصحتها رضا الأولين فقط دون المُحال عليه، وإنما يشترط حضوره، وإقراره على الأرجح. وعبارة العدوي في حاشيته على الخشرشي أنه قال: لا يُشْتَرَطُ حضوره ولا إقراره الدَّيْن كما هو ظاهر المصنف وهو أحد قولين مرجحين اهـ. هذه العبارة تدل على صحة الحوالة على الغائب وهي المشهورة بخلاف ما ختم به المصنف مسألة الحوالة بقوله ولا يحال على غائب إلخ إشعارًا بالخلاف الواقع في هذه المسألة. قال الصاوي في حاشية على الدردير: والحاصل أن الفقهاء من الأندلسيين اختلفوا هل يُشْتَرطُ في صحة الحوالة حضوره وإقراره أو لا يُشترط ذلك؟ رُجَّح كل من القولين، وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح اهـ. ثم ذكر مبنى الخلاف من القولين كلاهما: وفي الحطاب قال ابن سلمون: ولا يُشْتَرَطُ ذلك؟ رُجَّح كل من القولين، وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح اهـ. ذم ذكر مبنى الخلاف من القولين كلاهما: وفي الحطاب قال ابن سلمون: ولا يُشْتَرَطُ رِضا المُحال عليه عند جميع العلماء، وكذلك لا يُشْتَرَطُ عِلْمُه وحضورُه على المشهور، وفي الاستغناء: لا تجوز الحوالة على الغائب، وإن وقع ذلك فُسِخ حتى يحضر، وإن كانت له بيَّنة لأنه قد تكون للغائب براءة من ذلك. وفي المشتمل لا تجوز الحوالة إلا على حاضر مقر اهـ. وعلى قول ابن القاسم اقتصر الوقار في مختصره، ونصُّه: ولا يجدوز أن يُحال أحد بحق قد حل على غائب لأنه لا يدري ما حاله في ماله، ولا يجوز أن يُحَال به على ميّّت بعد موته، وهو بخلاف الحي الحاضر لأن ذمة الميت قد فاتت وذمة الحي موجودة، وعليه أيضًا اقتصر صاحب الإرشاد (يعني في هذا الكتاب) وصاحب الكافي وكذلك أيضًا المتّيطي وابن فتوح، وقبله ابن عرفة اهـ كلام ابن سلمون والله أعلم بالصواب."
ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالحَوَالة وما فيها من بيان تحويل الحق من ذِمة إلى ذِمة أخرى انتقل يتكلم على ما يتعلق بالعارية والوديعة وما يحتويان من المسائل الهامة. قال رحمه اللَّ تعالى:
كتاب العارية والوديعة
أي في بيان ما يتعلَّق بأحكامها وقد جعل رحمه الله تعالى لكل واحدة منهما فَصْلًا مستقلًا يختص بما يخصها من الأحكام كما ستقف عليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى:"الْعَارِيَةُ"أي بالمعنى اللغوي، أي هي الشيئ المُعَار كالإناء، ومعناها عُرْفًا فكما قال المصنف هي"تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ"قال في أقرب المسلاك الإارة تمليك منفعة مؤقتة بلا عوض، وهي مندوبة. ورُكْنُها مُعيرٌ وهو مالك المنفعة بلا حَجْرٍ وإن بإعارة أو إاجارة، ومستعيرٌ وهو مَنْ تأهل للتبرع عليه، لا مسلم أو مِصْحَف لكافر. ومستعار وهو ذو منفعة مباحة مع بقاء عينه لا جارية لاستمتاع بها، والعينُ والطعامُ قَرْضٌ وما يدلُّ عليها اهـ وعبارة أبي محمد في الرسالة أه قال: والعارية مُؤداةٌ. قال شارحها: واعلم أن الكلام على العارية من وجوه: الأول في حُكْمِها. وهو الندب هذا حُكْمُها الأصلي لأنها إحسان، وتتأكَّد في الأقارب والجيران والأصحاب، وقد يعرض لها الوجوب لِمَن معه شيئ مستغنّى عنه وطلبه مَنْ يُخْشَى عليه الهلاك بتَرْكِه ككسَاء في شدّة بَرْدٍ، والحُرْمَة إذا كانت تعين على معصية، والكراهة إذا كانت تعين على فِعْل مكروه، والإباحة إذا أعهان بها عنيًّا، دل على الإذْن فيها الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، أمَّا الكتاب فقوله تعالى:"وافعلوا الخير" [الحج: 77] وأمّا السنّة فَلِمَا في الصحيحَيْن من أنّ رسول الَّه صلى الله عليه وسلم استعار فَرَسًا من أبي طلحة، واستعار من صفوان بن أمية دِرْعه يوم حنين، فقال له أغَصْبٌ يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة. وفي أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"العارِية مؤدَّاةٌ، والمِنْحَة مردودةٌ، والدَّيْن مَقْضِي، والزعيم غارمٌ"قال الترمذي حسن صحيح. والمِنْحَة: الشاة أو نحوها تُعار لأخْذ لَبَنِها. وأمَّا الإجماع فقد حكاه شيوخ المذهب. الثاني من الوجوه من أركانها الأربعة المعير، وشَرْطُه أن يكون من أهل التبرُّع وملاكًِا للمنفعة التي يريد الإعانة بها، ولو بإجارة أو استعارة لأنّ للمُعِير ان يُعِيرَ إن لم يَحْجُرْ عليه المُعِيرُ له ولو بلِسَان الحال، كأن يُفْهَمُ منه أنه لا يَسْمَحُ بإعارتها لغير اهذا المستعير. والمستعير، وشَرطْطه أن يكون ممَّن يجوز شَرْعًا انتفاعه بالعَارِية، فلا تصحُّ إعارة المًْحَف للكافر، أو الغلام المسلم لِخدْمَة الكافر. [3/24]