فالمصادر المؤرخة للدولة العزيزية تبرز مدى عمق الأزمة في أجهزة الدولة العزيزية، التنظيمية والمالية والعسكرية، ويلخص ذلك قول الحجوي الثعالبي واصفا حال رجال المخزن:"موصوفون بعدم الكفاءة والاختلاس والتزوير، يضاف إلى هذه الأخلاق السافلة، فإنهم جهال في تسيير شؤون البلاد، عاملين على تقديم مصالحهم الخاصة، والاستغناء الفاحش على حساب الرعية والجيش والمصلحة العليا للبلاد" (1) .
إن الحجوي الثعالبي يتحسر على الروح الضعيفة للهياكل المخزنية، كما يعيب على الدولة عدم قدرتها على مواكبة الإصلاحات المرجوة، بل إن قراءة مذكرته يشيع في النفس إحساسا يقينيا بأن الوضع قد تلبس برذيلة الاستبداد والفساد بحيث أصبح يشكل فروعه وأغصانه، وأن أصحاب النفوذ قد استفحل أمرهم بنهب المال العام وقمع الأشراف والأحرار.
وهكذا فقد أرسل الحجوي كتابا مفتوحا إلى السلطان (2) يدعوه فيه إلى جملة من الإجراءات والإصلاحات منها:
وجوب قيام السلطان بمسؤولياته؛
تجديد نظام الدولة"الهرم"-بتعبير الحجوي-، وتحديث الهياكل المخزنية التقليدية ؛
تنحية الولاة الجهال غير المتعلمين؛
ضبط صرف المال العام؛
نشر العلوم والمعارف.
وللأسف فلم يلق"الكتاب المفتوح"آذانا صاغية، مما حدا بالحجوي إلى إعادة إرسال كتاب جديد إلى عبد الحفيظ لما تولى العرش.
وبهذا القدر من تتبع بعض أحداث العصر السياسية أكتفي، لأنتقل إلى الجزء التالي، وهو الوضع الاجتماعي بالمغرب في هذه الفترة.
... الحالة الاجتماعية:
... إن مجمل نتائج الوضع السياسي سيؤثر سلبا على الواقع الاجتماعي المغربي، ذلك أن فوضى التسيير، وكثرة الثورات الداخلية، وتربص المستعمر، والغلاء والوباء، كل ذلك سينشئ مشاكل اجتماعية متعددة.
(1) - انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره للحجوي / ص:12 من مقدمة محمد الصغير الخلوفي.
(2) - انظر الرسالة في الملحق 2 من"انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره".