فهرس الكتاب
كل أحد إلا عن الله، واحتاج إليهم في ذلك كل أحد، ويليهم في ذلك العلماء لأنهم ورثتهم، وحظهم من المُلك بقدر حظهم من إرشاد العباد وهدايتهم واستغنائهم في ذلك عن غيرهم، ولهذه الصفات يقرُب العبد من الملائكة في المعنى، ويتوصل به إلى الملك في جنة المأوى، فيتنقل من ملك إلى ملك كما قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 20] .
وإلى هذا المعنى أشار بعض العارفين حين قال له بعض المريدين: أوصني، فقال له: (كن ملكًا في الدنيا ملكًا في الآخرة) ، فأحاله على الغاية، وأرشده إلى البداية والنهاية، وهذا القدر من المُلك عَطيةٌ من الملِك المطلق.
وأما مِلك الأعيان الدنيوية والجواهر المالية فهو إلى أن يكون رقًا بما يرتبط به من الجشع والطمع، ويلزمه من الشغب والتعب، أقرب منه إلى أن يكون مُلكًا، ولذلك قال بعض العلماء حين قال له بعض ملوك الدنيا: (ما حاجتك؟ فقال العالِم: أوَلي تقول هذا، ولي عبدان هما سيداك: الحرص والهوى) .
وقد أحسن بعض الشعراء حين قال:
ملكتُ نفسي وكنت عبدًا ... فزال رقي وطاب عيشي
أصحبتُ أرضى بحكم ربي ... إن لم أكن راضيًا فأَيْشي