الصفحة 361 من 905

المسألة الأولى: في حقيقة اللطف

نقول: إن الذي استقر عليه منتهى النظر، أن اللطف هو: الخفاء، وكل شيء لطيف فهو: خفي، وإليه يرجع قولهم: لطف الشيء يلطف إذا دق وصغر، ولطف يلطف: إذا أوصل إليك ما تحب من حيث لا تعلم، قال الله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ} [يوسف: 100] ، وقال: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ} [الشورى: 19] ، معناه: الإتيان بالإحسان من الوجوه الخفية التي لا تظهر إلا له، فما يتعدى منه هو الذي لا يتعدى من الصغر والخفاء.

المسألة الثانية: في التركيب

إذا قلنا: إن اللطف هو: الخفاء، فقد تقدم بيانه في اسم الباطن، فهو تعالى خفي عن الأوهام، واضح بالإعلام، لا يدرَك بكيفية ولا كمية ولا أينية، وإنما يُعلم بالأدلة الإلهية.

وأما إن قلنا: إنه: الموصل للإحسان والنافع من حيث لا يُعلم، فذلك بالحقيقة هو الله تعالى، وهذا من صفات الأفعال، وقد بينا في كتب الأصول أن من لطفه بعباده خلقه القدرة على الطاعة، ولا يعلم الأنام أنها بها، وتيسيره أسباب الذكاء والهداية، وإيصال المنافع والأرزاق إلى العباد، فلله ألطاف خفية كما له نعم باطنة وجلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت