الصفحة 91 من 160

فخلاصة القول عندي في هلال بن خباب , بعد أقوال أهل العلم فيه , وبعد هذا العرض لشيء من حديثه , أنه ما وافق فيه الثقات من الرواية فيقبل , وما خالف فيه أو انفرد به فيردّ , فقول ابن حبّان عندي جيّد , وكذلك قول الحافظ في التقريب , أنه صدوق تغير بآخره.

و أمّا الحديث الذي معنا الآن , فهو عندي مما وهم فيه لأسباب:

الأول: وهو ما ذكره الطبري في تهذيب الأثار [1] قال:

وهذا خبر عندنا صحيح سنده , وقد يكون على مذهب الآخرين [2] سقيما غير صحيح , لعلل [3] :

احداها: أنه خبر لا يعرف له مخرج يصحّ عن ابن عباس , على ما روى عن هلال بن خباب , عن عكرمة , عنه , الا من هذا الوجه. و إن كان بعض ذلك عن عكرمة , عن ابن عباس , من غير حديث هلال بن خبّاب. ا. هـ.

فهذا الطبري , يقرّ بتفرد هلال بن خباب بهذه الرواية , و أن ذلك مما قد يردّ به الخبر عند المتقدمين.

الثاني: أنه اتى بأكثر من حادثة في حديث واحد , فلفقها , وهذا , وإن كان لكل مقطع منه شواهد , فلا يقبل منه , كما أشار إلى ذلك الطبري فيم سبق , فهذا مما لا يصحّح به الحديث , بل هو عندي يدلّ على ضعف حافظة الراوي , و هذا لعله من أثر اختلاطه , الذي أشير إليه قبل , فقوله في الحديث"وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يُخَوِّفُنَا مُحَمَّدٌ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ ‍‍‍‍، هَاتُوا تَمْرًا وَزُبْدًا، فَتَزَقَّمُوا"

هذا لا شكّ حديث آخر [4] , لا دخل له بقصة الإسراء عندي , بل هما حديثان مختلفان لابن عباس , اذ أنه لم يثبت أن النبي رأى شجرة الزقوم في المعراج , نعم , أري الجنة و النار ولكن ما ثبت أنه أري شجرة الزقّوم , أو أنه خوّف بها أبا جهل بعد عودته , لا من صحيح حديث ابن عباس ولا من غيره فيما علمت , وسيأتي ما ورد عن ابن عباس في ذلك , ان شاء الله , أنه فصل بين قوله تعالى {والشجرة الملعونة في القرآن} فقال: الزقوم , وبين قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} , قال: رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به. كما هو ثابت في الصحيح [5] . لذلك نصبت الشجرة في الآية عطفا بها على الرؤيا , فالمعنى كما قال ابن جرير الطبري"و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك , و الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس , فكانت فتنتهم في الرؤيا ما ذكرت من ارتداد من ارتد , و"

(1) تهذيب الأثار 5/ 408

(2) هذه العبارة استخدمها الطبري كثيرا في تهذيبه , وهي واضحة في التفصيل بين منهج من تقدم من أهل هذه الصنعة و من أتى بعدهم , ممن هم ليس على طريقتهم , والله الموفق.

(3) ذكر الطبري ثلاث علل , لا نوافقه إلا على هذه , وهي كافية في ردّ الخبر , والله أعلم.

(4) أخرجه الطبري في التفسير 15/ 113 ,

(5) صحيح البخاري , حديث 3888

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت