فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 59

الأسباب التي هي فساد أهل البوادى والقرى والأمصار من الأعراب والتركمان والأكراد والفلاحين وأهل الأهواء وأهل الحاضرة من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم وأمراء الناس ومقدميهم وجندهم، وهو سبب سقوط حرمة المتولى وسقوط قدره من القلوب وانحلال أمره، فإذا ارتشى وتبرطل على تعطيل حد ضعفت نفسه أن يقيم حدا آخر وصار من جنس اليهود الملعونين، وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل سميت به الرشوة لأنها تلقم المرتشى عن التكلم بالحق كما يلقمه الحجر الطويل، كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكوة، وكذلك إذا أخذا مال للدولة على ذلك مثل هذا السحت الذي يسمى التأديبات، ألا ترى أن الأعراب المفسدين أخذوا لبعض الناس ثم جاءوا إلى ولى الأمر فقادوا إليه خيلا يقدمونها له أو غير ذلك، كيف يقوى طمعهم في الفساد وتنكسر حرمة الولاية والسلطنة وتفسد الرعية، وكذلك ذوو الجاه إذا حموا أحدا أن يقام عليه الحد مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة ثم يأوي إلى قرية نائب السلطان أو أميره، فيكون ذلك الذي حماه ممن لعنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم في صحيحه عن على بن أبى طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا) ، فكل من آوى محدثا من هؤلاء المحدثين فقد لعنه الله ورسوله وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده واعتاض عن المجرمين بسحت من المال يأخذه، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي سرا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين، وهو مثل تضمين الحانات والخمر فإن من مكن من ذلك أو أعان أحدا عليه بمال يأخذه منه فهو من جنس واحد، والمال المأخوذ على هذا يشبه ما يؤخذ من مهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب وأجرة المتوسط في الحرام الذي يسمى القواد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وحلوان الكاهن خبيث) رواه البخاري، فمهر البغي وفى معناه ما يعطاه المخنثون الصبيان من المماليك أو الأحرار على الفجور بهم، وحلوان الكاهن مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر به من الأخبار المبشرة بزعمه ونحو ذلك.

وولى الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه كان بمنزلة مقدم الحرامية الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة، وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة، وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط التي كانت تدل الفجار على ضيفه التي قال الله تعالى فيها (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) ، وقال تعالى (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا تتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم) ، فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم والعدوان، وولى الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يمكن من المنكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت