يملك تأديب أمته وتزويجها فملك إقامة الحد عليها كالسلطان، فإنما يملك إقامة الحد بشروط أربعة: أحدها أن يكون جلدا كحد الزنا والشرب وحد القذف، فأما القتل في الردة والقطع في السرقة فلا يملكها إلا الإمام وهذا قول أكثر أهل العلم، وفيهما وجه آخر أن السيد يملكها وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) وروي أن ابن عمر قطع عبدا سرق، وكذلك وعائشة، وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها، ولأن ذكل حد أشبه الجلد، وقال القاضي كلام أحمد يقتضي أن في قطع السارق روايتين ... الخ [1]
قلت: ويجوز كذلك لغير الإمام والسيد أن يقيم الحد الشرعي من استوفي شروطه وكان من يقيمه من أهل العلم وله قدرة وشوكة تمكنه من إقامته ولا يترتب على ذلك ضرر يفوق ترك إقامة الحد، وكل ذلك راجع إلى تقدير العلماء والأمراء، وقد ورد من الأدلة ما يبين صحة إقامة الحد من غير السلطان إذا كان على الوجه الشرعي ومن ذلك غير ما سب:
* ما روى من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر وقال: إن كان صادقًا فليحي نفسه وتلا قوله تعالى (أتأتون السحر وأنتم تبصرون) [2] ، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، وقد صُرح في بعض روايات هذا الأثر أن قاتل الساحر هو الصحابي جندب بن عبد الله البجلي. [3]
* والحاكم أو الوالي إذا عطل الحدود فلم يقمها سقطت ولايته لأنه إنما نصب لمهام ومقاصد من أعظمها إقامة الحدود الشرعية على وجهها المشروع، فإذا لم يقمها فقد عطل أعظم ما نصب من أجله، ولذلك فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد اجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزانى والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث، وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر
(1) المغني ج 9/ 51.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 3.
(3) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج8/ 136، والمصنف لعبد الرازق ج10/ 181، والإصابة في تمييز الصحابة ج1/ 511، سير أعلام النبلاء للذهبي ج3/ 176، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1/ 144.