فهرس الكتاب

‹
الصفحة 59 من 59

الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل) وفى رواية (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وفى رواية (شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه) .

وهؤلاء أول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم بحرورى لما خرجوا عن السنة والجماعة واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على ماشية المسلمين فقام أمير المؤمنين على بن أبى طالب وخطب الناس وذكر الحديث، وذكر أنهم قتلوا وأخذوا الأموال فاستحل قتالهم وفرح بقتلهم فرحا عظيما، ولم يفعل في خلافته أمرا عاما كان أعظم عنده من قتال الخوارج، وهم كانوا يكفرون جمهور المسلمين حتى كفروا عثمان وعليا، وكانوا يعملون بالقرآن في زعمهم ولا يتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يظنون أنها تخالف القرآن، كما يفعله سائر أهل البدع مع كثرة عبادتهم وورعهم. اهـ [1]

* جهاد المحاربين وقطاع الطريق.

وأما قتال المحاربين وقطاع الطريق فقد اتفق على وجوب قتالهم النص والإجماع أيضا، فقد قال تعالى في محكم التنزيل (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) ، فهذه الآية نزلت فيمن خرج على المسلمين يقطع السبيل ويأخذ الأموال ويستبيح الدماء ويسعى في الأرض بالفساد، وهذا هو قول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقد جعل الله تعالى بحكمته لجرائمهم عقوبات تختلف بحسب ما اقترفوه من جرائم.

وفي كلام جامع في حكم المحاربين قال ابن تيمية رحمه الله: ومن ذلك عقوبة المحاربين وقطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة من الأعراب والتركمان والأكراد والفلاحين وفسقة الجند أو مردة الحاضرة أو غيرهم، قال الله تعالى فيهم (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخر عذاب عظيم) .

وقد روى الشافعي رحمه الله في مسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما في قطاع الطريق: إذا قتلوا واخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض، وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله.

ومنهم من قال للأمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيها ويقطع من رأى قطعه مصلحة وان كان لم يأخذ المال مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال، كما أن منهم من يرى أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا، والأول قول الأكثر.

فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء ذكره ابن المنذر، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية لأنه قتله لغرض خاص.

وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام بمنزلة السراق فكان قتلهم حدا لله وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل مثل أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا أو القاتل مسلما والمقتول ذميا أو مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل لأنه قتل للفساد العام حدا كما يقطع إذا أخذ أموالهم وكما يحبس بحقوقهم.

وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة وان الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين فان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته.

والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويرد متسريهم على قعدهم) [2] ، يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه

(1) مجموع الفتاوى ج28/ 472ـ473.

(2) رواه أبو داود وأحمد والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى والحاكم والدار قطني والبيهقي والبزار والطبراني في الأوسط عن علي وجابر وعائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وابن عمر ومعقل بن يسار رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت