الصفحة 534 من 1115

الثاني: قوله: (( ثم رفع طَرْفه إلى السماء ) )وهو بإسكان الراء [1] ، بخلاف طَرَف الشيء الذي هو آخره، فإنه بالفتح لا غير [2] .

فإن قلت: ما السر في رفع الطَرْف إلى السماء والمدعو سبحانه ليس مختصا بجهة ولا مستقرا على مكان [3] سبحانه وتعالى، وكذلك رفع اليدين عند الدعاء.

(1) والمراد بطرفه بصره كما تفسره رواية أبي داود: (( ثم رفع بصره ) )وعند أحمد: (( ثم رفع نظره ) )كما سيأتي إن شاء الله بيان ألفاظ الحديث عند تخريجه.

(2) انظر: العين ص 565، النهاية 3/ 119 - 120.

(3) مراد المصنف رحمه الله وغفر له من هذا الكلام نفيه حقيقة فوقية الرب سبحانه، وعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه كما يليق بعظمته وجلاله.

قال الإمام القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر مذهب المتكلمين في نفيهم الجهة وشبهتهم في ذلك ما نصه: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تُعلم حقيقته قال مالك رحمه الله الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها وهذا القدر كاف ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء، والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. الجامع لأحكام القرآن 7/ 213.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله عن نفاة الجهة: وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، و لا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - إليه، إذ لو كان كذلك لزم إثبات الحدود والجهات له، وهو منزه عن ذلك. مختصر الصواعق المرسلة ص 109.

وعلوه سبحانه وتعالى على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول والفطرة.

فأما الكتاب فمنه: قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} [سورة الأنعام، الآية: 18،61] وقوله: {يخافون ربهم من فوقهم} [سورة النحل، الآية:50] وقال تعالى في سبعة مواضع من القرآن: {ثم استوى على العرش} [الأعراف، الآية: 54، يونس، الآية: 3، الرعد، الآية: 2، طه، الآية: 5، الفرقان، الآية: 59، السجدة، الآية: 4، الحديد، الآية: 4] والاستواء في لغة العرب العلو والارتفاع وهو قول أئمة السلف. قال الإمام البغوي في تفسيره 1/ 59 في معنى استوى:"قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء". وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد 7/ 131:"والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {استوى} قال علا قال وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد". وانظر: العين ص 457، تهذيب اللغة 13/ 124، اجتماع الجيوش الإسلامية ص 104.

وأما السنة فمن أشهرها: ما رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 382 رقم 537 عن معاوية بن الحكم السُّلمي قال في حديث الجارية: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها. فقال لها: (( أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا، قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها؛ فإنها مؤمنة ) ).

وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سمواته، عال على خلقه، مستو على عرشه، حكى الإجماع غير واحد من الأئمة، منهم: ابن بطة، وأبو نعيم، وأبو عمر الطلمنكي المالكي، وابن أبي زيد، وابن القيم، والذهبي، وابن تيمية، وغيرهم. انظر: الجامع لابن أبي زيد ص 107 - 108، نقض تأسيس الجهمية 2/ 9 - 10، مختصر الصواعق ص 361، اجتماع الجيوش الإسلامية ص 48، 51، مختصر العلو ص 264، 267، 287. ...

وأما العقل: فلأن العلو صفة كمال، والسفل نقص، فلو لم يتصف بفوقية الذات لكان متصفا بضد ذلك، وضد العلو السفل والله منزه عنه فتعين إثبات علوه سبحانه على خلقه. انظر: شرح العقيدة الطحاوية 2/ 380، 389.

وأما الفطرة: فقد قال ابن قتيبة رحمه الله: ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه، لعلموا أن الله تعالى هو العلي، وهو الأعلى، وهو بالمكان الرفيع، وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترفع بالدعاء إليه"إلى أن قال:"والأمم كلها -عربيها وعجميها - تقول: إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم"تأويل مختلف الحديث ص 271 - 272."

وعن أبي جعفر بن أبي علي الحافظ قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله {الرحمن على العرش استوى} [طه، الآية: 5] فقال: كان الله ولا عرش - وجعل يتخبط في الكلام - فقلت قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني هذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فتنبئنا نتخلص من الفوق والتحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد ونزل ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة"فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون سمعناه يقول: حيرني الهمداني. انظر: مختصر العلو ص 277 - 276، سير أعلام النبلاء 18/ 477."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت