الصفحة 2373 من 2429

قال عياض: مذهب أهل السنة التوبة تكفِّر القتل كسائر الذنوب، وما روي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتورية في القول فإنما ذلك لئلا يجترئ الناس على الدماء، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعًا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف، فليس هذا موضع خلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعًا لنا بلا شك، وهذا فقد ورد شرعنا به وهو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان: 70] الآية، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فكل ما دون الشرك يجوز أن يغفره الله تعالى، وفي حديث عبادة: «تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه» فهذه حجج صريحة تبين فساد مذهب المكفرة بشيء من ذلك، وأما قوله جل وعز: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] فالصواب في معناه: جزاؤه إن جازاه، وقد لا يُجازي بل يعفو عنه، فإن قتل عمدًا مستحلًّا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مخلَّد في النار بالإجماع، وإن كان غير مستحلٍّ بل يعتقد تحريمه فهو فاسق عاصٍ مرتكب كبيرة جزاؤها جهنم خالدًا فيها، لكن تفضل الله جل وعز وأخبر أنه لا يخلد من مات موحِّدًا فيها, فلا يُخلِّد هذا وقد يعفو عنه فلا يدخل النار أصلًا، وقد لا يعفو عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج منها إلى الجنة. وقيل: الخلود طول المدة والإقامة لا التأبيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت