فهرس الكتاب
124فكان التاريخ من الطوفان إلى زمن نار إبراهيم عليه الصلاة و السلام 30. ثم اجتمع رأي كل ملة، فأرخ الروم و اليونان بالإسكندر. و القبط بملك بختنصر، و بنو إسحاق من مبعث نبي إلى آخر، حتى آتى عام الفيل فجعلوه تاريخا.
و كانت للعرب في اليمن و الحجاز تواريخ كثيرة يتعارفونها خلفا عن سلف فيما شجر بينهم من الوقائع و الحروب كعام الفيل و غيره. فلما قدم صلى اللّه عليه و سلم المدينة أمر بالتاريخ، كما قاله المحب الطبري 31. و كانوا يؤرخون بالشهر و الشهرين من مقدمه صلى اللّه عليه و سلم 32.
فلما هاجر صلى اللّه عليه و سلم، اتخذت هجرته مبدأ التاريخ، و سميت كل سنة أتت عليها باسم حادثة وقعت فيها.
و كان اسم السنة الأولى: سنة الإذن-أي بالرحيل إلى المدينة-و الثانية: سنة الأمر، و الثالثة: الابتلاء. و على هذا المنوال إلى خلافة عمر-رضي الله عنه-فسأله بعض الصحابة في ذلك، فقال: هذا يطول، و ربما يقع في بعض السنين اختلاف و غلط، فقيل: إن للعجم حسابا تسميه ماء روز أي حساب الشهور و الأيام. و قال له بعض مسلمي اليهود:
لنا حساب مثله فنسنده إلى الإسكندر فقال رضي الله عنه: نحن العرب لا نسند حسابنا إلى الأكاسرة و لا إلى الإسكندر بل نسنده إلى مبدء السنة التي هاجر فيها نبينا صلى اللّه عليه و سلم، من غير تسمية السنين بما وقع فيها. فامتثلت الصحابة رأيه و استعملته في وجوه التصرفات.
و روي 33أن أبا موسى الأشعري 34، كتب إلى عمر رضي الله عنه: يأتينا من قبلك كتب ليس لها تاريخ فأرخ لنا. فاستشار عمر-رضي الله عنه-في ذلك فقال بعض: أرّخ بمبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم. و قال آخرون: بوفاته. (*) فقال رضي الله عنه: بل بهجرته، فإنها هي التي فرقت بين الحق و الباطل 35. و أنها وقت استعلاء كلمة الإسلام و توالي الفتوح. فأرخ بها. فهو أول من أنشأه في الإسلام و ذلك يوم الأربعاء العشرين من جمادى الأخيرة سنة سبع عشرة من الهجرة 36.