6و المؤلف المشرفي، كان شغوفا بعلم التاريخ واعيا بأهميته و منزلته ضمن العلوم الإنسانية الأخرى، لأن التاريخ-حسب تعبيره-من أجل العلوم قدرا، يكسب صاحبه النباهة حتى يفوق أمثاله، و بواسطته تستنير الفكر و الألباب و تعلم حوادث الأزمنة و الأحقاب.
و المشرفي-فضلا عن ذلك-كان نبيها، مشاركا في الأحداث السياسية المستجدة، متأثر و مؤثر فيها، بسبب منصبه في القضاء الحسني و العزيزي، الذي خوّل له إمكانية الاطلاع على أسرار الدولة و خبايا المخزن، و حق المشاركة و التفاعل و التأثير، فقد عايش كل التطورات و الأحداث التي مرّ بها المغرب، ابتداء من عهد السلطان المولى عبد الرحمان إلى عهد المولى عبد العزيز.
لم يعايش المشرفي الأحداث بوجوده، و إنما عايشها بوجوده و فكره و قلمه السيال، فسجل ما لفت نظره أو أثر على نفسيته، و رآه جديرا بالتسجيل، و لم يتوان عن تقديم الاقتراحات السياسية و الاجتماعية التي كان يراها مناسبة للنهضة و التحديث، و استشراف المستقبل، سائلا و مجيبا عن قضايا العصر بقلم ثابت رصين، كما لم يفته إبداء مواقفه بكل جرأة و حماس الرجل الوطني الغيور على بلده و هويته الحضارية.
و مما زاد كتاب «الحلل البهية» قيمة، ما قام به محققه الأستاذ الباحث إدريس بوهليلة، من مجهود في توثيق نصوصه و تصحيحها و مقارنة نسخها بالرجوع إلى الأصول، و التعريف بالأعلام البشرية و الجغرافية، و توضيح ما استبهم من الكلام، فضلا عن وضع الفهارس المفيدة، مطبقا في ذلك قواعد علم تحقيق النصوص و نشرها. و ختم عمله بإنجاز دراسة صدّر بها الكتاب.
و وعيا منها بأهمية الكتاب و جدواه في الكتابة التاريخية، و ضرورة إخراجه إلى جمهور القراء باحثين مختصين، و مهتمين و طلبة، أبت وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية إلا أن تطبعه، متبعة نهجها القويم بتشجيعها للبحث العلمي في المغرب، في مختلف التخصصات، خاصة منها الفقهية و الصوفية و الأدبية و التاريخية، و كل ما يمت إلى العلوم الإنسانية بصلة، متسرشدة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو و يحث على التعلم و التعليم.
و مهتدية بالأفكار النيرة، و التوجهات السديدة لجلالة الملك سيدي محمد السادس نصره الله و أيده، و أدام عزه و جعله ذخرا و ملاذا لهذه الأمة. كما نسأل العلي القدير أن يقر عين مولانا بولي عهده المحبوب مولاي الحسن، و بصنوه المجيد مولاي الرشيد و سائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة. آمين و الحمد لله رب العالمين.
وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية أحمد التوفيق