والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله والله لئن مات أو قتل لاقاتلن عليه حتى أموت، وهذا هو منهج الصحابة جميعًا رضي الله عنهم فهم الذين كانوا يعبدون الله حقًا وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واصلوا الطريق ولم يفتروا لا عن الجهاد ولا عن الدعوة والعبادة بل ساروا على ما رباهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هزموا تمثلوا قول الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وإن انتصروا تمثلوا قول الله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذا هو المنهج الحق الذي يرتضيه الله لنا، أن يكون العمل معلقًا بالأدلة الشرعية، والحكم على الأمور هل هي حق أم باطل لا يكون بناءً على ما حققته من نتائج، بل إن الحكم على أي قضية يكون بناءً على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، ومن أراد أن يحكم على المعارك بنتائجها فيلزمه على هذا المقياس أن يقول والعياذ بالله معركة أحد معركة باطلة أخطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخوضها، لأنه هزم والهزيمة دليل على بطلان المنهج عند أهل الإرجاف والجهل.
فأصحاب المنهج الباطل الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا صحة هذا الدين هم الذين علقوا الدين بأشخاص وعلقوا الجهاد برموز، ومنهجهم أدى بهم إلى فساد عظيم حيث أنكروا المقدمات بسبب بطلان النتائج أو فشلها، ومتى ما وصل المرء إلى هذا المنهج فسيقع حتما في الكفر أو اليأس والقنوط، وهذا هو منهج كثير من الرويبضات اليوم، الذين لا يستحيون من الله ولا من عباده، ففي كل حدث لهم قول يناقض ما قبله بأيام، فإذا رأوا نصرًا أشادوا وزادوا وأعادوا في المدح والتمجيد، وإذا رأوا هزيمة وابتلاءً من الله لعباده ضللوا وبدعوا ونقدوا وسبوا وشتموا، ولعل أعظم حكمة لله سبحانه وتعالى في لحوق الهزيمة بالمجاهدين هو تصفية صفوفهم وتمحيصهم أولًا ثم تمحيص من تمسحوا بهم ونسبوا أنفسهم إليهم، وقد كشف الله أساليبهم ووصفهم وصفًا دقيقًا حيث قال (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) وقال الله عنهم فاضحًا لأساليبهم العفنة: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ، نعم شعيرة الجهاد لا يقوم بها إلا من كان أهلًا لذلك فدونه ودون النصر والتمكين مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، وهذه الشعيرة أيضًا لا يناصرها اليوم إلا من أعد العدة للبلاء والفتنة، أما من كان منهجه منهجًا مائعًا هلاميًا لا يُعرف هل هو مناصر للجهاد أو معارض له، فيكفيهم كشف الله لحيلهم في هذه الآيات وفي سورة التوبة فضح لحيلهم الشيطانية وتعرية لمناهجهم الباطلة.
إن تعليق الجهاد أو المعركة بأشخاص لا يفضي إلا إلى هزيمة محققة، فإن لم تكن هزيمة حسية في الميدان فإنها هزيمة معنوية تتمثل في الفتور عن الجهاد عند فقدان القيادة التي ظن المسلمون أنهم لا ينصرون إلا بها، لذا فإنه من الخطأ أن يتعلق الناس بأشخاص أو بقيادات، فيجب تحرير شعيرة الجهاد من ربطها بالرموز، نعم نحتاج للقيادة لربط المجاهدين بها ونحتاج للقيادة للتخطيط والتدبير ولكن فقدان القيادة لا يعني تكسر الروابط التي بين المسلمين وشعيرة الجهاد، وكما أخرجت ساحات الجهاد قيادات بهذا الحجم فإنها ستستمر بإخراج القيادات، والتاريخ شاهد على أنه ما خلا عصر من العصور بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وفيه أسود يذودون عن هذا الدين حتى يخيل لمن سمع عنهم أنه لم يسبق للأمة مثلهم، ولم تعقم نساء المسلمين أن يلدن مثل عمر وعلي وخالد والمقداد وعكرمة وصلاح الدين وقطز فالأمة كالغيث لا يعرف الخير فيها هل هو في أولها أم في آخرها.
وإن قتل القيادة لدى المسلمين الذين تربوا على عدم تعليق الجهاد بالرموز لا يزيدهم على مبدئهم وطريقهم إلا إصرارًا، لأنهم يعبدون رب الجهاد لا قيادة الجهاد، فالقيادات موجودة في أرض المعركة وهي معرضة للقتل كما يعرض للقتل أي جندي في المعركة، بل إن القادة يبحثون عن الشهادة وينتظرون اليوم الذي يزفون فيه إلى الحور العين ويتشرفون برؤية رب العالمين، وكلهم يحرص على ذلك اليوم ويسعى له ويتمناه.
فإذا حصل للقادة ما تمنوه كأن يقتل الملا عمر أو الشيخ أسامه أوالقائد شامل باسييف أو القائد خطاب أو غيرهم من قادة الجهاد في كل مكان حفظهم الله جميعًا، فإن حصولهم على ما تمنوه ودعوا الله به لا يعد إلا نصرًا لهم بأشخاصهم، أما