الصفحة 12 من 27

الثابت الثالث الجهاد ليس معلقًا بأرض

بعد أن سقنا الأدلة في الفصلين السابقين التي تؤكد أن شعيرة الجهاد صالحة لكل زمان وأنه لا يوجد زمن من الأزمنة منذ أن شرع الله الجهاد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة من راية للجهاد في سبيل الله، من المناسب أن نسوق في هذا الفصل الأدلة التي تثبت أن الجهاد ليس معلقًا بأرض دون أخرى إذا وجدت الأسباب وانتفت الموانع.

إن من المفاهيم الخاطئة والتي تسببت بتحريف مفهوم تلك الشعيرة هو أن تعلق عبادة الجهاد بأرض بعينها، وحينما تفقد تلك الأرض أو يحل الدمار بها فإن ذلك الفهم حتمًا سيؤدي إلى إلغاء هذه العبادة أو العزوف عنها أو الزعم بأن وقتها لم يحن بعد.

ولا بد قبل الشروع في عبادة الجهاد أن نرسخ مفهومًا عظيمًا لممارسة هذه الشعيرة وهو أن الجهاد عالمي لا تحجبه الحدود ولا الحواجز، وأن المسلم بحاجة إلى هذه العبادة إذا كان مصرًا على تبليغ دين الله تعالى وتعبيد الناس لربهم، كما كان فعل الصحابة رضي الله عنهم حينما كانوا يجوبون مشارق الأرض ومغاربها برسالة عبر عنها ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما سأله رستم ما جاء بكم فقال: (الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي) فالصحابة جاءوا بالسيف والقرآن ليفتحوا بقاع الأرض، وبما أن المسلم لا زال يحمل الرسالة المحمدية فلا بد له أن يحمل مفهوم أن الجهاد صالح لكل زمان ولكل مكان.

وقولنا صالح لكل مكان لا يعني ذلك أن المسلم ليس له هم إلا أن يشعل الحروب في كل بقاع الأرض كلا، ولكن الجهاد صالح لكل مكان توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع، ولهذه الشروط والموانع ضوابط شرعية التفصيل فيها يخرجنا عما نحن فيه ولعلنا نفرد لها حلقة للحديث عنها.

المهم من القول أن القناعة بأن الجهاد ماض إلى قيام الساعة وأنه موجود في كل زمان - وهذا موضوع الفصل الأول - تجرنا هذه القناعة حتمًا إلى التأكد بأن الجهاد موجود في أرض أو أكثر من بلاد العالم اليوم، ومعنى ذلك هو أن الجهاد لا يعلق بأرض بل هو معلق بشروط سواءً كانت تلك الشروط هي أسباب تشريع أو كانت مقومات عمل، وهو أيضًا معلق بموانع ومتى تحققت تلك الشروط وانتفت الموانع فإن الجهاد سيؤدي إلى نتيجة أو أكثر من نتائج الجهاد الإيجابية، ولا يمكن أبدًا أن نعدم الأرض التي تتوفر فيها أسباب تشريع الجهاد ومقوماته.

والانطلاق من هذا المفهوم لممارسة شعيرة الجهاد يجعل العبد حرًا في تطبيقه لهذه العبادة، فهو غير محصور بأرض، ولم يعلق الجهاد ببلد، بل علقه بشروط وموانع ومتى توفرت الشروط وانتفت الموانع، فالمكان مناسب لممارسة هذه الشعيرة.

ويتضح مما تقدم من مطالعة السيرة، فالمسلمون خسروا في بداية الإسلام ديارهم وأرضهم وأموالهم، ولكنهم لم يعتقدوا أن الإسلام لن ينتشر إلا من تلك الأرض المقدسة - مكة - بسبب ما فيها من مقومات حيث إنها كانت قبلة العرب آنذاك وهي ثقلهم وهي البلد التي يعرفونها ويعرفوا أهلها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تعالى خرج من تلك الأرض لينشر الإسلام انطلاقًا من غيرها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخيل إليه بأنه مهاجر وكان يذهب ظنه إلى اليمامة أو هجر، وعرض نفسه على أهل الطائف لينشر الدعوة من هناك، فأوحى الله إليه أن الهجرة إلى طيبة، فهاجر إليها وانطلق وصنع مقومات الانطلاق والجهاد والبقاء، وبدأ يعمل لأرض مهجره وكأنها الأرض التي ولد فيها، وانتشر الإسلام من أرض ليست هي أحب البقاع لا إلى الله ولا إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم وهو خارج منها كمار روى القرطبي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت