الْمَمَاتِ) أي: لو قاربت أن تركن إليهم، أي: مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين، والمعنى: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا".
قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في سبيل النجاة والفكاك ص50 "فأخبر تعالى أنه لولا تثبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم لركن إلى المشركين شيئًا قليلًا، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه الله عذاب الدنيا والآخرة مضاعفًا، ولكنَّ الله ثبته فلم يركن إليهم، بل عاداهم وقطع اليد منهم. ولكن إذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته، فغيره أولى بلحوق الوعيد به".
ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) .
قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) والركون هو الميل، ومنه: الادهان - وسبق الكلام عليه - قال القرطبي رحمه الله " (وَلا تَرْكَنُوا) الركون: حقيقة الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم، وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم، وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وكله متقارب، وقال ابن زيد: الركون هنا: الادهان؛ وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم".
وبنفس معنى الآية السابقة جاء قول الله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) .
فمن ركن أو أطاع الكافرين أو الظالمين فرغم أنه متوعد بالنار والعذاب في الآخرة، إلا أنه بركونه إليهم وطاعته لهم يعلنها مدوية أنه هزم شر هزيمة، وأن مبدأه الذي تمسك به زالت معالمه بعد هذا الركون والطاعة، ولو زعم بقوله بأنه ما تزحزح عن مبادئه إلا أن ركونه وطاعته للذين ظلموا أو كفروا يكذبه ويعلن أنه هزم ولا معنى للمبادئ إذا كذبها العمل، فهي لا تعدو أن تكون ادعاءات باطلة وحبرًا على ورق، فلا يستقيم أبدًا تشدق بالمبادئ وركون للظالمين والكافرين بما يريدون، فما هذه إلا هزيمة مخزية.
ومن تدبر ما سبق من معاني النصر والهزيمة، يتضح له بجلاء جهل الذين زعموا هزيمة الإمارة الإسلامية، فالمتدبر لهذه المعاني يستيقن بأن الإمارة الإسلامية وعلى رأسهم أمير المؤمنين الملا عمر حفظه الله، انتصروا على العالم كله، وتفضل الله عليهم وحققوا أكثر معاني النصر، وقد رحمهم الله وعصمهم من لحوق معاني الهزيمة بهم، نسأل الله أن يثبت المجاهدين ويمن عليهم بالنصر في الميدان إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فينبغي على المسلم أن يتمسك بمعتقده ومبادئه ويعلن دومًا أنه الأعلى وأنه المنتصر مهما أصابه من نصب وقرح قال تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.