قال الامتزاج الموجب لحصول الأنواع المختلفة والأشخاص المتباينة إذا حصل في العناصر لا يخلو إما أن يبقى كل عنصر على ما كان عليه أولا، فإن لم يبق فما الموجب لانتفاء صورته التي كان عليها وتماس الأجسام لا يوجب نفي ما فيها من المعاني لعدم التضاد والتنافي مع تعدّد المحال، فإنه إن اتحد محلها لزم تداخل الأجرام وهو محال، إذ لو جاز ذلك لجاز وجود جملة العالم في حيز خردلة وإن لم تنتف صورتها وجب بقاء الأمر فيها على ما كان قبل الامتزاج. فإن قالوا الماء الحار إذا لاقى الماء البارد مثلا أكسب الحار من سورة البارد، والبارد من سورة الحار، فتحصل كيفية ثالثة وهي كونه فاترا، قلنا تأثير إحدى الكيفيتين في الأخرى: إما أن يكون في زمن واحد أو على التعاقب، فإن كان في زمن واحد لزم أن يجامع وجود كل واحد منهما عدمه ضرورة أن المؤثر لا بد وأن يكون حاصلا حال حصول أثره، فيكون كل واحد منهما من حيث كونه مؤثرا موجودا ومن حيث كونه أثرا معدوما، وإن كان على التعاقب وجب وجود الأوّل حال عدمه
ما قدمناه حال من ما مقدمة على صاحبها (قوله الموجب) عبر به محاكاة لكلامهم للرد ّ عليهم، وإلا فشرف الدين لا يقول بأنه موجب (قوله في العناصر) أي الأصول: كالعسل والخل (قوله إما أن يبقى الخ) بأن يبقى العسل على حاله من الحلاوة والخل على حاله من الحموضة (قوله أولا) بسكون الواو: أي أو لا يبقى (قوله فما الموجب الخ) أي فلا موجب الخ (قوله صورته) أي كيفيته كالحلاوة في العسل والحموضة في الخل (قوله وتماس الخ) جواب عن سؤال. حاصله أنه إنما انتفت الكيفية القائمة بكل عنصر، لأن ملاقاة جسم بجسم سبب لإزالة ما فيه من الكيفيات (قوله الأجسام) كالخل والعسل، وقوله: من المعاني: أي الكيفيات كالحموضة والحلاوة (قوله والتنافي) عطف تفسير (قوله مع تعدّد المحال) أي الذوات كذات الخل وذات العسل، وهذا ظرف لعدم (قوله فإنه الخ) جواب عما يقال: ما المانع من اتحاد المحل عند الامتزاج (قوله الأجرام) كالعسل والخل (قوله إذ لو جاز الخ) سند لاستحالة تداخل الأجرام (قوله وجب الخ) وحينئذ فالامتزاج لم يؤثر شيئا (قوله فإن قالوا) أي قاطعين النظر عن ما تقدم من الترددين مستندين للعيان (قوله مثلا) أي أو اللبن البارد (قوله سورة) أي شدّة (قوله فتحصل كيفية ثالثة) أي أثر فيها الامتزاج ولم تبق الأولى من كل ّ، فالترديد الأول لازم لهم، وليس هذا القول اختيارا لأحد الشقين من التردد، ويصح أن يجعل قوله: فإن قالوا الخ اختيارا للشق الثاني من أن كيفية كل واحد من العنصرين باقية بعد الامتزاج، وقولكم: أنه إذا كان كذلك لم يؤثر الامتزاج شيئا ممنوع، وذلك لأن العنصرين إذا امتزجا وكانت كيفية كل واحد منهما قائمة به أثرت كيفية كل واحد منهما في كيفية الآخر، فتكسر شدّتها فتوجد كيفية أخرى مغايرة للكيفيتين، فتلك الكيفية حاصلة بتأثير الامتزاج (قوله قلنا) أي زيادة على ما مر ّ من الرد عليهم، فالرد الأوّل بالترديد لازم لهم وكذا هذا (قوله لزم أن يجامع الخ) فكيفية الحار تكون موجودة ومعدومة في آن واحد، وكذا كيفية البارد، وهذا باطل فيبطل تأثير إحدى الكيفيتين في الأخرى في زمان واحد (قوله ضرورة الخ) هذا وجه اللزوم (قوله ومن حيث كونه أثرا معدوما) لأن تأثير كيفية الحار في البارد تكون بإعدام البرودة وبالعكس (قوله حال عدمه) الأولى بعد عدمه