أن البارئ سبحانه وتعالى يعلم ويرى ويسمع، ومع ذلك لا يخلق لهم سمعا لخبره بأعمالهم لا أن الله تعالى يجوز عليه أن يصمت، فإن ذلك كان يكون من انعدام كلامه وكلامه تعالى قديم، وقد تقدم ذكر الدليل القاطع على أن القديم لا ينعدم عند ذكرنا حدوث العالم انتهى. قلت: يعني أنه تجوّز باطلاق الصمت على لازمه وهو عدم ادراك ما عند الصامت من الخبر، وبهذا تعرف أنه ليس معنى - كلم موسى تكليما - أنه ابتدأ الكلام له بعد أن كان ساكتا ولا أنه بعد ما كلمه انقطع كلامه وسكت، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المعنى أنه تعالى بفضله أزال المانع عن موسى عليه السلام وخلق له سمعا وقواه حتى أدرك به كلامه القديم. ثم منعه بعد ذلك وردّه إلى ما كان قبل سماع كلامه، وهذا معنى كلامه لأهل الجنة. وروى أن موسى عليه السلام عند قدومه من المناجاة كان يسد ّ أذنيه لئلا يسمع كلام الخلق، إذ صار عنده كأشد ما يكوم من أصوات البهائم المنكرة حتى لم يكن يستطيع سماعه بحدثان ما ذاقه من اللذات التي لا يحاط بها، ولا تكيف عند سماع كلام من ليس كمثله شيء جل وعلا، ولولا أنه سبحانه يغيبه عما ذاق عند مناجاته مما لا يقدر على وصفه لما أمكن أن يأنس إلى شيء من المخلوقات أبدا ولما انتفع به أحد، فسبحانه من لطيف ما أوسع كرمه وأعظم جلاله، ومن أعجب الأمور في هذا عدم ذوبان الذات من موسى عليه السلام
الحديث المذكور (قوله أن البارئ يعلم ويرى) بالبناء للمجهول لمناسبة قوله: ويسمع: أي ان الله تعلم ذاته وترى آياته الدالة عليه واستفادة أن الله يعلم ويرى من خارج لا من الحديث ويحتمل بناؤهما للفاعل: أي يعلم المعلومات ويرى الموجودات، وقوله: ويسمع بالبناء للمجهول: أي وتسمع أوامره اللفظية، وأما النفسية فلا تسمع لأنه لم يخلق فيهم سمعا لها وهو المراد بإنصاته تعالى (قوله ومع ذلك الخ) هذا روح التأويل، فمعنى كما أنصت لكم كما لم أسمعكم كلامي في الدنيا: أي كما أخلق فيكم في الدنيا سمعا لخبري الدال على أعمالكم، فمعنى الحديث أطلب منكم الإنصات كما وقع مني الإنصات: أي عدم الخلق لسماع كلامي (قوله لخبره) متعلق بسمعا، وقوله: بأعمالهم متعلق بالخبر، وقوله: أن يصمت: أي يسكت (قوله كان يكون) كان زائدة (قوله انتهى) أي كلام ابن دهاق (قوله قلت الخ) توضيح لكلام ابن دهاق (قوله يعني) أي ابن دهاق (قوله تجوّز) بضم أوّله وثانيه وكسر ثالثه المشدّد (قوله وبهذا) الإشارة راجعة لمضمون قوله: لم يزل سبحانه متكلما إلى قوله وما ورد الخ أو راجعة لمضمون قوله أو يطرأ عليه سكوت (قوله وخلق له سمعا) أراد به القوّة لا الإدراك بدليل قوله يدرك به (قوله وقراه) أي وقوى الله ذلك السمع أو قوى موسى (قوله أدرك به) أي بسمعه (قوله وردّه الخ) عطف تفسير على قوله منعه (قوله إلى ما كان الخ) أي من الحجب عن كلامه (قوله وهذا) أي ما ذكر من إزالة المانع الخ (قوله وروى الخ) حكاية لما وقع لموسى (قوله إذ صار) أي كلام الخلق (قوله المنكرة) صفة لأصوات (قوله بحدثان) أي قرب والباء سببية وهو بكسر الحاء وسكون الدال وهو متعلق بقوله صار عنده (قوله يغيبه) بضم أوّله وتشديد ثالثه مكسورا: أي يزيله عنه شيئا فشيئا (قوله أن يأنس) أي يركن (قوله به) أي بموسى (قوله عدم الخ) أي مع وجود ما يقتضي الذوبان