من كون الكلام مع السكوت هوس لا حاصل له، إذ لا معنى للسكوت إلا انعدام الكلام، فإن كان السكوت قبل وجود الكلام لزم سبق العدم عليه، وذلك نفي لقدمه واثبات لحدوثه، وإن كان بعد وجود الكلام فقد طرأ على الكلام العدم وذلك ينفي بقاءه، وإذا انتفى البقاء انتفى القدم لما عرفت أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، وينعكس بعكس النقيض الموافق إلى أن كل ما لم يستحل عدمه لم يثبت قدمه، وإذا انتفى القدم أيضا لزم ضده الذي هو الحدوث. وبالجملة فالسكوت يستلزم عدم الكلام السابق وتجدد الكلام اللاحق، فيكون اللاحق حادثا بغير واسطة والسابق حادثا بواسطة، وأن ما لحقه العدم لزم أن يسبقه العدم، وإذا لزم من السكوت حدوث الكلام لزم منه حدوث الذات الموصوفة به لما عرفت أن قيام الصفة الحادثة بشيء يوجب حدوث ذلك الشيء، ودعوى الاتصاف بذلك لمن تنزه عن الحوادث في ذاته وجميع صفاته جل ّ وعلا كفر لا محالة. وما ورد في الحديث مما يخالف هذا الذي قررناه فمؤوّل، فمنه ما ورد في الحديث «إن الله يسمع الناس يوم القيامة قائلا يقول: يقول سبحانه أنصتوا كما أنصت لكم أنا اليوم ظالم إن جاوزني ظلم ظالم» قال ابن دهاق: يرجع معنى الحديث إلى
أي في المستقبل متصفا بصفة الكلام (قوله من كون الكلام الخ) أي وليس معدوما حين السكوت (قوله هوس) أي ضرب من الجنون (قوله إذ لا معنى للسكوت) أي عند العقلاء لتخرج الحشوية (قوله إلا انعدام الكلام) أي لا كمونه واستتاره (قوله فإن كان السكوت) هو الكف عن الكلام، ويلزمه عدم الكلام وهو المراد بالسكوت (قوله لما عرفت الخ) سند لقوله: وإذا انتفى البقاء انتفى القدم لكن بضميمة ما بعد من قوله وينعكس الخ، فتكون الجملة حالية على تقدير مبتدأ بعد الواو: أي وهو ينعكس لأن المضارعية المثبتة المقرونة بالواو لا تكون حالية. قال ابن مالك:
وذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرا ومن الواو خلت وذات واو بعدها أنو مبتدأ الخ
(قوله بعكس النقيض الموافق) هو تبديل كل واحد من الطرفين بنقيض الآخر (قوله أيضا) أي كما انتفى البقاء ولو أخر قوله أيضا عن قوله لزم ضدّه الذي هو الحدوث كان معناه كما لزم الحدوث على مقابله وهو كون السكوت قبل الكلام (قوله عدم الكلام السابق) أي انعدامه (قوله بواسطة الخ) هذا إشارة لكبرى قياس وحذف صغراه لظهورها وتقريره أن تقول ما لحقه العدم لزم أن يسبقه العدم وكل ما سبقه العدم فهو حادث ينتج كل ما لحقه العدم فهو حادث (قوله حادثا بغير واسطة) أي من غير حاجة إلى دليل لأن ذلك حقيقة الحدوث بخلاف السابق فإنه محتاج إلى وسط وهو أن لحوق العدم يلزم منه سبق العدم الذي هو الحدوث (قوله لزم منه) أي من السكوت (قوله بذلك) أي الحدوث (قوله وجميع صفاته) فيه أن الكلام في الذات فقط (قوله فمنه ما ورد في الحديث) معلوم مما قبله فالأولى أن يقول نحو أن الله الخ ... (قوله أنصتوا الخ) فهذا يقتضي حدوث الكلام وأنه يوجد تارة وينعدم أخرى (قوله أن جاوزني الخ) أي أن فاتني ظلم ظالم: أي إن تركت مؤاخذته على ظلمه (قوله قال ابن دهاق) أي في تأويل