بعد ذلك في وجه دلالتها على ثلاثة أقوال: الأول أن دلالتها عقلية واليه ميل الأستاذ. قالوا لأن خلق الله تعالى لهذا الخارق على وفق دعواه وتحديه مع العجز عن معارضته، وتخصيصه بذلك يدل على ارادة الله تعالى لتصديقه كما يدل اختصاص الفعل بالوقت المعين، والمحل المعين على ارادته تعالى لذلك بالضرورة. وبالجملة فقد جعلوا التصديق في هذا القول صفة للخارق الواقع على الوجه المخصوص مع جواز أن يعرى ذلك الخارق عن صفة التصديق بانعدام شرط من شروط المعجزة فصارت صفة التصديق للخارق الحادث كسائر صفات الأفعال الحادثة، وقد علمت أن اتصاف الحادث بصفة بدلا عن نقيضها الجائز يدل عقلا على ارادة الفاعل، وهو البارئ تعالى
السمعية وهو المطلوب (قوله بعد ذلك) أي بعد اتفاقهم على أن دلالتها ليست من جملة دلالة الأدلة السمعية، ويحتمل أن المراد بعد اتفاقهم على أن دلالة المعجزة على صدق الرسل ليست سمعية (قوله في وجه دلالتها) أي على صدق الرسل (قاله قالوا) أي أرباب هذا القول سندا له، وأتى بالسند في أسلوب التبري لكونه معترضا كما يأتي بيانه (قوله لهذا الخارق) أي الدال على صدقه (قوله على وفق دعواه) أي إن آية صدقه كذا (قوله على وفق دعواه) أي من جرت المعجزة على يديه، وقوله: وتحديه تفسير لدعواه (قوله وتحديه) بالجر عطف على دعواه، وقوله: وتخصيصه بالنصب عطفا على خلق الله: أي وتخصيص الله اياه بذلك الخارق (قوله كما يدل ّ الخ) هذا تنظير طلبا للإيضاح. وحاصله أن المعجزة دلت على ارادة التصديق كما أن اختصاص الفعل بالزمان المعين يدل ّ على ارادة الله لذلك، وقد يقال لا نسلم أن صدور الخارق يدل على ارادة التصديق إذ غايته أنه يدل على ارادة الله وقوعه فقط، وأما كونه أراد تصديقه أولا فشيء آخر (قوله لذلك) أي اختصاص الفعل بالوقت المعين والمحل المعين (قوله بالضرورة) أي لا بالنظر (قوله وبالجملة الخ) توجيه للقول المذكور وتمهيد للاعتراض الآتي (قوله فقد جعلوا) اي أصحاب القول الأوّل (قوله صفة للخارق) أي فمتى وجد الخارق وجد التصديق (قوله على الوجه المخصوص) أي من كونه مقارنا لدعوى الرسالة ومتحدى به ومعجوزا عن معارضته، وقوله: مع جواز الخ لا حاجة لهذا أصلا، لأن التصديق لازم للخارق الموصوف بالصفات السابقة ومعلوم أنه إذا لم يوجد متصفا بصفاته فلا يوجد التصديق، وقوله: بانعدام شرط أراد به ركنا من أركان المعجزة (قوله فصارت صفة التصديق) الاضافة بيانية، وهذا مفرع على كون التصديق صفة للخارق: أي وحيث كان التصديق صفة للخارق صار مماثلا لسائر صفات الأفعال الحادثة من جهة الدلالة على إرادة الفاعل المختار على الاتصاف بتلك الصفة بدلا عن ما ينافيها (قوله وقد علمت الخ) بيان لوجه الشبه، وقوله: إن اتصاف الحادث بصفة: أي كاتصاف الخارق بالصدق واتصاف وقوع المطر بالكون في الزمان المعين، وقوله: عن نقيضها أراد به مطلق المنافي وقوله: على إرادة الفاعل: أي المختار بدليل التعليل، وقوله: وهو الباري، الأولى أن يقول: ومعلوم أن البارئ، وذلك لأن اتصاف الحادث بصفة بدلا عن نقيضها الجائز إنما يدل على ارادة الفاعل لذلك، ولا يدل على أن ذلك الفاعل هو الله كما يوهمه كلامه، وإنما يستدل على ذلك ببرهان الوحدانية (قوله كسائر صفات الأفعال) أي مثل وقوع المطر في الوقت المعين، وقوله: