وقد بالغوا حينئذ في إخفاء نوره جهدهم حتى غيروا صفته في كتبهم وفي غيرها، ولم يحتج أحد منهم بذلك مع شدّة حرصهم عليه وتوفر الدواعي على نقله لو كان موجودا حقا. وأما العيسوية فاذا سلموا أنه عليه الصلاة والسلام مرسل إلى العرب خاصة لزمهم تصديقه في جميع ما أخبر به، وقد أخبر أنه رسول إلى الكافة، وأنه مبعوث إلى الأحمر والأسود فاقرارهم بنبوّته ثم تكذيبه في أنه رسول لجميع أهل الأرض لا يخفى تناقضه لكل عاقل.
(ص) وأفضلها القرآن العظيم الذي لم تزل تقرع أسماء البلغاء بتضليل كل دين غير الاسلام آياته، وتحرّك لطلب المعارضة على سبيل التعجيز حمية اللسن المتوقدي الفطنة الأقوياء المعارضة نظما ونثرا الخائضين في كل فن ّ من فنون البلاغة طولا وعرضا بحيث لا تفلت عن معارضتهم أمنع كلمة وإن لم يعرض فيها بعجزهم،
الخ (قوله وقد بالغوا الخ) ترشيح لقوله: وأيضا لو كان ذلك النقل الخ (قوله حتى غيروا الخ) فكان فيها أبيض مشرب بحمرة فغيروا ذلك إلى أسود (قوله بذلك) أي النقل المتقدم عن موسى (قوله وأما العيسوية) أي القائلون إنه مرسل للعرب فقط (قوله لا يخفى تناقضه) أي لأن قولهم لم يكن رسولا إلى كل الخلق سالبة جزئية، وقد اعترفوا بأنه رسول للعرب وهذا يتضمن وجوب تصديقه فيما قاله وهو أنه رسول إلى الخلق كافة وهذه موجبة كلية والموجبة الكلية تناقضها السالبة الجزئية (قوله وأفضلها القرآن) الضمير للمعجزات المتقدمة في قوله وتحدّى بمعجزات لا يحاط بها، وإنما كان القرآن أفضلها لبقائه معجزة إلى غاية الدهر بخلاف غيره كانشقاق القمر فإنه معجزة في وقت معين (قوله تقرع) من القرع وهو خبط الباب أريد به لازمه وهو الوصول وهو خبر تزل واسمه قوله آياته وفاعل تقرع ضمير يعود على آياته: أي الذي لم تزل آياته تصل لأسماع البلغاء جمع بليغ وهو ذو الملكة الذي يقتدر على التعبير عما يقصده بكلام بليغ: أي مشتمل على ما يقتضيه الحال (قوله بتضليل) متعلق بتقرع والباء للملابسة (قوله وتحرّك) بالتاء عطف على تقرع وبالباء عطف على لم تزل (قوله المعارضة) أي بالاتيان بمثله، وقوله: على سبيل التعجيز: أي لأجل تعجيزهم: أي ظهور عجزهم (قوله حمية اللسن) مفعول تحرك من الحماية: أي الدفع والحفظ واللسن بضم اللام وسكون السين جمع لسن بفتح فكسر: أي فصيح واضافة حمية للسن من إضافة الصفة للموصوف: أي وتحرك الفصحاء الذين لهم قدرة على الدفع والمعارضة وحفظ ما يقولونه (قوله المتوقدي الفطنة) جمع متوقد والتوقد اشتعال النار أريد به لازمه وهو الكمال والفطنة العقل (قوله الأقوياء المعارضة) أي الموصوفين بأن معارضتهم قوية (قوله نظما ونثرا) نصب بنزع الخافض متعلق بالمعارضة (قوله الخائضين) من الخوض بمعنى التصرف، والمراد بفنون البلاغة أساليبها وطرقها وهي مقتضيات الأحوال والمراد بتصرفهم في مقتضيات الأحوال أنهم متى عبروا عن شيء أتوا في عبارتهم بما يقتضيه الحال لإحاطتهم بمقتضيات الأحوال وأتى بقوله طولا وعرضا للمبالغة في كمال تصرفهم في أساليب البلاغة وهو منصوب على التمييز المحول عن المضاف: أي الخائضين في طول كل فن وعرضه (قوله لا تفلت) بضم التاء وفتح اللام: أي لا تخرج (قوله أمتنع كلمة) أي أقواها وأنث الفعل لاكتساب