صفحة 24
االله بالجهاد في نُصْرَةِ دينه، إلا أن سلاحَ العَالِمِ علمُه ولسانُه، كما أنّ سلاحَ المَلِكِ سيفُه وسنانُه، فكما لا يجوز للملوك إغمادُ أسلحتهم عن الملحدين والمشركين، لا يجوز للعلماء إغمادُ ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن ناضل عن االله وأظهر دين االله كان جديرًا أن يَحْرُسَهُ االله بعينه التي لا تنام، وَيُعِزَّهُ بِعِزِّهِ الذي لا يُضام، ويَحوطَه بركنه الذي لا يُرام، ويحفظَه من جميع الأنام: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَ?كِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4] ، وما زال المنزِّهون والموحِّدون يُفْتُوْنَ بذلك على رؤوس الأشهاد في المحافل والمشاهد، (و) يَجهرون به
في المدارس والمساجد، وبدعةُ الحشوية كامنةٌ خفيةٌ لا يتمكنون من المجاهرة بها، بل يَدُسُّوْنَهَا إلى جهلة العوام، وقد جهروا بها في هذا الأوان، فنسألُ االله تعالى أن يُعَجِّلَ بإخمالها كعادته، ويقضيَ بإذلالِها على ما سَبَقَ من سُنَّتِهِ، وعلى طريقةِ المنزهين والموحدين دَرَجَ الخلفُ والسلفُ، رضي االله تعالى عنهم أجمعين.
وَالعَجَبُ أنهم يَذُمُّوْنَ الأشعريَّ بقولِه: إن الخبزَ لا يُشْبِعُ، وَالمَاءَ لا يروي، وَالنَّارَ لا تَحرق، وهذا كلامٌ أنزل االله معناه في كتابه، فإنّ الشبع والري والإحراق حوادثُ تَفَرَّدَ الرَّبُّ بِخَلْقِهَا، فلم يَخلقِ الخبزُ الشبعَ، ولم يَخلقِ المَاءُ الرَّيَّ، ولم تَخلقِ النَّارُ الإحراقَ، وإن كانت أسبابًا في ذلك، فالخالق تعالى هو المُسَبِّبُ (دون السبب) ، كما قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ رَمَى?} [الأنفال: 17] ، نفى أن يكون رسولُه صلى االله عليه وسلم خالقًا للرمي، وإن كان سببًا (فيه) ، وقد قال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى?. وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا}