فهرس الكتاب
مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ (1)
(1) - قلت: ومثله حديث المصراة ، فقد أخرجه البخارى برقم (2151 ،2140 ، 2148 ، 2150 ، 2160 ، 2162 ، 2723 ، 2727 ، 5144 ، 5152 ) ومسلم برقم (3907 -3909) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ » .= المصراة: الشاة يجمع اللبن في ضرعها عند إرادة البيع فتبدو أنها كثيرة اللبن
فقد ردَّ العمل بهذا الحديث فريق من الفقهاء ، واحتجوا ببعض ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحجة مخالفته للقياس ، قال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 73) فَصْلٌ: [ بَيَانُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ ] .
وَمِمَّا قِيلَ إنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ ، قَالُوا: وَهُوَ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّهُ تَضَمَّنَ رَدَّ الْبَيْعِ بِلَا عَيْبٍ وَلَا خَلْفَ فِي صِفَةٍ ، وَمِنْهَا أَنَّ { الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ } ؛ فَاللَّبَنُ الَّذِي يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ إيَّاهُ ، وَمِنْهَا أَنَّ اللَّبَنَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ مِثْلِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ مِنْ التَّضْمِينِ بِالْمِثْلِ فَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقِيمَةِ ، وَالتَّمْرُ لَا قِيمَةَ وَلَا مِثْلَ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَضْمُونَ إنَّمَا يُضْمَنُ بِقَدْرِهِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَقَدْ قُدِّرَ هَاهُنَا الضَّمَانُ بِصَاعٍ .
قَالَ أَنْصَارُ الْحَدِيثِ: كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ خَطَأٌ ، وَالْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا ، وَلَوْ خَالَفَهَا لَكَانَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ لَا يُضْرَبُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، كَمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُضْرَبَ كِتَابُ اللَّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا كُلِّهَا ، وَيُقَرُّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى أَصْلِهِ وَمَوْضِعِهِ ؛ فَإِنَّهَا كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ شَرْعَهُ وَخَلْقَهُ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَهُوَ الْخَطَأُ الصَّرِيحُ .
فَاسْمَعُوا الْآنَ هَدْمَ الْأُصُولِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُعْتَرَضُ بِهَا عَلَى النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ: أَمَّا قَوْلُكُمْ:"إنَّهُ تَضَمَّنَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ وَلَا فَوَاتِ صِفَةٍ"فَأَيْنَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَتَكْفِينَا هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ ، وَلَنْ تَجِدُوا إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْحَصْرِ سَبِيلًا ؛ ثُمَّ نَقُولُ: بَلْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ تُوجِبُ الرَّدَّ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْتُمْ ، وَهُوَ الرَّدُّ بِالتَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ ، فَإِنَّهُ هُوَ وَالْخُلْفُ فِي الصِّفَةِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ، بَلْ الرَّدُّ بِالتَّدْلِيسِ أَوْلَى مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يُظْهِرُ صِفَةَ الْمَبِيعِ تَارَةً بِقَوْلِهِ وَتَارَةً بِفِعْلِهِ ، فَإِذَا أَظْهَرَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ فَبَانَ بِخِلَافِهَا كَانَ قَدْ غَشَّهُ وَدَلَّسَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ ، وَلَوْ لَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِذَلِكَ لَكَانَ هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُوجَبُ الْعَدْلِ ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي الْمَبِيعِ بِنَاءً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُ الْبَائِعُ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِهَا لَمْ يَبْذُلْ لَهُ فِيهَا مَا بَذَلَ ، فَإِلْزَامُهُ لِلْمَبِيعِ مَعَ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ الَّذِي تَتَنَزَّهُ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ لِلرُّكْبَانِ إذَا تُلُقُّوا وَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطُوا السُّوقَ وَيَعْلَمُوا السِّعْرَ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا عَيْبٌ وَلَا خُلْفٌ فِي صِفَةٍ ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ تَدْلِيسٍ وَغِشٍّ .