فهرس الكتاب
وَأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةِ (1)
(1) - وفي البحر المحيط - (ج 4 / ص 236)
مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ ، سَوَاءٌ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ .
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ ، فَقَالَ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ ، وَعَلَى أَنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ .
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْت: إنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ، وَقَدْ يَرِدُ مِنْ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْعُمُومِ ؟ قِيلَ: لِأَنَّ دَلِيلَ الْخِلَافِ يَجْرِي مَجْرَى الْقِيَاسِ فِي بَابِ الْقُوَّةِ ، فَلِهَذَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ .
قَالَ: وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّلِيلُ مُسْتَخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ .فَإِنَّهُ يَخُصُّهُ انْتَهَى .
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ"يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ أَوْ مِنْ اللَّفْظِ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ."
فَيُخَصُّ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِفَحْوَى أَدِلَّةِ الْكِتَابِ تَوَاتُرًا ، كَانَتْ السُّنَّةُ أَوْ آحَادًا ، وَيُخَصُّ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَآحَادُ السُّنَّةِ بِفَحْوَى أَدِلَّةِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ السُّنَّةِ ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِفَحْوَى آحَادِ السُّنَّةِ ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ .انْتَهَى .
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْسُنُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْ مَنْعِهِمْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي إنْكَارِ الْمَفْهُومِ ، لَكِنْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ فِي الْمُنْتَخَبِ"أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ."
وَقَالَ: دَلَالَتُهُ ، إنْ قُلْنَا بِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ النُّطْقِ ، فَلَا تَخْصِيصَ بِهِ ، وَتَوَقَّفَ فِي الْمَحْصُولِ"فَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا ."
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ"قَدْ رَأَيْت فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْعُمُومِ ، وَفِي كَلَامِ صَفِيِّ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ ، أَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى التَّخْصِيصِ بِهِ ."
قُلْت: وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْحَاوِي"، فَقَالَ: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهَذَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَفِي جَوَازِ النَّسْخِ وَجْهَانِ .ا هـ ."
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ، أَعْنِي قَطْعَهُ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ مَعَ تَرْجِيحِهِ كَوْنَهُ قِيَاسًا .
وَكَانَ يَتَّجِهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ ، لَكِنَّهُ هُنَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ ، وَرُبَّمَا أَيَّدَ ذَلِكَ بِدَعْوَى الْآمِدِيَّ وَالْإِمَامِ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ .
وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِيهِمَا ، أَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَمَا إذَا وَرَدَ عَامٌّ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ ، كَقَوْلِهِ: { فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } ، ثُمَّ قَالَ: { فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ } .
فَإِنَّ الْمَعْلُوفَةَ خَرَجَتْ بِالْمَفْهُومِ ، فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْأَوَّلِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ ، وَمَثَّلَ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ مُجَرَّدًا مِنْ صِفَةٍ ، ثُمَّ أُعِيدَ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ: اُقْتُلُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَيُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَيُخَصَّصُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْعُمُومِ .ا هـ .
وَلَيْسَ كَمَا قَالَا ، فَفِي شَرْحِ اللُّمَعِ"، إنْ قُلْنَا: إنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، امْتَنَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا: حُجَّةٌ ، ابْتَنَى عَلَى أَنَّهُ فِي أَنَّهُ كَالنُّطْقِ أَوْ كَالْقِيَاسِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا: كَالنُّطْقِ ، جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا: قِيَاسٌ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي التَّخْصِيصِ بِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ .ا هـ ."
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ كَجٍّ بِالْخِلَافِ ، فَقَالَ: عِنْدَنَا دَلِيلُ الْخِطَابِ يَخُصُّ الْعُمُومَ ، مِثْلُ قَوْلِهِ { فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } ثُمَّ قَالَ: { فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ } ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ لَا زَكَاةَ فِيهَا ، فَخَصَّصْنَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: { فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } وَيَنْقُلُ الْأَوَامِرَ مِنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ .
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ لَا يَخُصُّ الْعُمُومَ ، بَلْ يَكُونُ الْعُمُومُ مُقَدَّمًا ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْعُمُومَ نُطْقٌ ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ مَفْهُومٌ مِنْ النُّطْقِ ، فَكَانَ النُّطْقُ أَوْلَى ، وَلَنَا إجْمَاعُنَا نَحْنُ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، فَجَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ انْتَهَى .
قَالَتْ: قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ"أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ قَوْلَيْنِ ، وَأَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ ، لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّصِّ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } فَكَانَ عَامًّا فِي كُلٍّ مُطَلَّقَةٍ ، ثُمَّ قَالَ: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، وَمَتِّعُوهُنَّ } فَكَانَ مَفْهُومُهُ أَنْ لَا مُتْعَةَ لِمَدْخُولٍ بِهَا ، فَخُصَّ بِهَا فِي - أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ - عُمُومُ الْمُطَلَّقَاتِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ التَّخْصِيصِ [ عَلَى الْقَوْلِ ] الْآخَرِ ."
قُلْت: وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَجَعَلَهَا مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ، مِنْ بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ: قَالَ: فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فَكَانَ مَرَّةً يَذْهَبُ إلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً الَّتِي فُرِضَ لَهَا أَوْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ } عَامٌّ ، وَقَوْلُهُ: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } بَعْضُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْعُمُومُ ، لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ يَقْضِي بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ: { لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ } لِأَنَّهَا أَخَصُّ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ آيَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ فِي تَعْرِيفِ حُكْمِ الْمُتْعَةِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ ، وَإِنَّمَا يُخَصُّ الْعَامُّ إذَا كَانَ فِي الْأَخَصِّ مُرَادُ التَّخْصِيصِ ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ إرَادَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } فَلَيْسَ هُوَ حُجَّةٌ فِي إبَاحَةِ كُلِّ مِلْكِ يَمِينٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا تَعْرِيفُ الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا الْمَدْحُ .ا هـ .
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمِنْ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَهُوَ مَا كَانَ لَهُ وَصْفَانِ ، فَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ ، فَهَذَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ قَوْلًا وَاحِدًا .ا هـ .
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ": الْعَامُّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَيَانِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَآتُوا الزَّكَاةَ } فَإِذَا ذُكِرَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ عُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ الْمَذْكُورَةِ ، كَقَوْلِهِ: { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } ."
وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْجِنْسِ ، فَالْحُكْمُ لِلْعُمُومِ .
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ } فَهَذَا عَامٌّ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } الْآيَةَ .
فَلَمَّا احْتَمَلَ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِمَنْ لَمْ يُمَسَّ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ الَّذِي أُرِيدَ بِالْمُتْعَةِ ، وَلَمْ يَنْفِ - مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا - أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي لَفْظٍ وَلَا دَلِيلَ ، اقْتَضَى الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ: فَقُلْ هَذِهِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: { الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } مَعَ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ .
وَقُلْ: سَائِمَةُ الْغَنَمِ وَالْعَامِلَةِ كَامِلَيْنِ هُنَا .
قِيلَ: لَمَّا كَانَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ كَذَا .
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا ، وَكَمَا لَوْ رَفَعْنَا دَلَالَةَ مَا وَرَدَ فِي الْقُلَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: { الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } أَسْقَطْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ بِالْآخَرِ ، صَلُحَ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّك تَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ ، فَمَا أَوْجَبَهُ حُكْمُهُمَا فَالْحُكْمُ لَهُ ، وَحَقُّ الْكَلَامِ مَا يُقَيَّدُ بِهِ ، حَتَّى يُعْلَمَ التَّوْكِيدُ فَإِنْ كَانَ إذَا ثَبَتَ الْعُمُومُ سَقَطَ دَلَالَةُ الشَّرْطِ ، فَالْحُكْمُ لِمَا فِيهِ الشَّرْطُ ، وَإِنْ كُنْت إذَا أَثْبَتَهُ لَمْ تَنْفِ دَلَالَةَ الْعُمُومِ أَجْرَيْته عَامًّا إلَى أَنْ تَقُومَ دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْعَامِلَةِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَفْهُومِ الْمُحْتَمَلِ ، لَكِنْ ثَبَتَ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ .
قَالَ: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَوَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: { وَمَتِّعُوهُنَّ } مُرَتَّبًا عَلَى قَوْلِهِ: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } مَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ ، وَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ } وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُنَّ مَدْخُولٌ بِهِنَّ ، فَتَثْبِيتُ الْمُتْعَةِ لِلْمَمْسُوسَةِ وَغَيْرِهَا بِهَذَا الدَّلِيلِ .قُضِيَ بِأَقْوَاهُمَا ، وَهَذَا عَكْسُ قَوْلِ الرَّازِيَّ فِي دَعْوَاهُ ضَعْفَ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ .
وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ"يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، يَعْنِي بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِ مَنْ يُثْبِتُهُ ، لِأَنَّهُ دَلِيلٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآيَةِ فَأَشْبَهَ الْقِيَاسَ .ا هـ ."
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْعُمُومِ الْمَنْطُوقِ ، فَإِذَا قَالَ: أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا ، ثُمَّ قَالَ: إنْ دَخَلَ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا ، كَانَ الثَّانِي أَقْوَى .وَالدَّلِيلَانِ إذَا تَعَارَضَا قُضِيَ بِأَقْوَاهُمَا ، وَهَذَا عَكْسُ قَوْلِ الرَّازِيَّ فِي دَعْوَاهُ ضَعْفَ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ .
وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ"يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، يَعْنِي بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِ مَنْ يُثْبِتُهُ ، لِأَنَّهُ دَلِيلٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآيَةِ فَأَشْبَهَ الْقِيَاسَ ."