وَيَقُولُ آخَرُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَإِيجَابُهَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (1)
(1) - ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في مواطن ، واستحبابها في مواطن . واختلفوا في مواطن الوجوب .
فقال الحنفيّة ، والمالكيّة: إنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد الأخير سنّة ، وليس بواجب . وقالوا: تجب الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم في العمر مرّةً للأمر بها في قوله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » .
وقال الطّحاويّ: تجب كلّما ذُكِرَ صلى الله عليه وسلم .
واستدلّوا على عدم الوجوب في التّشهّد الأخير « بقوله صلى الله عليه وسلم - في تعليم التّشهّد - بعد أن ذكر ألفاظ التّشهّد: إذا قلت هذا ، أو فعلت ، فقد تمّت صلاتك ، إن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد » .
وقالوا: وإلى هذا ذهب أهل المدينة ، وأهل الكوفة ، وجملة من أهل العلم .
أمّا الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التّشهّد الأوّل فليس بمشروع عندهم ، وبه قال الحنابلة فإن أتى بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم عامدًا في التّشهّد الأوّل كره ، وتجب عليه الإعادة . أو ساهيًا وجبت عليه سجدتا السّهو عند الحنفيّة . وتفسد صلاته عند المالكيّة إن تعمّد بإتيانها .
وقال الشّافعيّة والحنابلة: إنّها تجب في التّشهّد الأخير من كلّ صلاة ، وبعد التّكبيرة الثّانية في صلاة الجنازة ، وفي خطبتي الجمعة ، والعيدين ، ولا تجب خارج ذلك .
وقالوا: إنّ اللّه تعالى فرض الصّلاة على نبيّه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » فلم يكن فرض الصّلاة عليه في موضع أولى من الصّلاة عليه في الصّلاة . ووجدنا الدّلالة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما وصفنا ؛ من أنّ الصّلاة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فرض في الصّلاة ، لا في خارجها . فقد جاء في حديث « أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّه قال: يا رسول اللّه ؛ كيف نصلّي عليك ؟ يعني في الصّلاة . فقال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد ، وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم . وبارك على محمّد ، وآل محمّد ، كما باركت على إبراهيم ، ثمّ تسلّمون عليّ » .
وعن كعب بن عجرة عن « النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّه كان يقول في الصّلاة: اللّهمّ صلّ على محمّد ، وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد » .
وقال الشّافعيّ: فلمّا روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يعلّمهم التّشهّد في الصّلاة، وروي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علّمهم كيف يصلّون عليه في الصّلاة ، لم يجز - واللّه أعلم - أن نقول: التّشهّد واجب ، والصّلاة على النّبيّ غير واجبة ، والخبر فيهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم زيادة فرض القرآن . وقال - رحمه الله -: فعلى كلّ مسلم - وجبت عليه الفرائض - أن يتعلّم التّشهّد ، والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ومن صلّى صلاةً لم يتشهّد فيها ، ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم - وهو يحسن التّشهّد - فعليه إعادتها . وإن تشهّد ولم يصلّ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو صلّى عليه ولم يتشهّد ، فعليه الإعادة حتّى يجمعهما جميعًا . وإن كان لا يحسنهما على وجههما أتى بما أحسن منهما ، ولم يجزه إلاّ بأن يأتي باسم تشهّد ، وصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم . وإن أحسنهما فأغفلهما ، أو عمد بتركهما فسدت صلاته ، وعليه الإعادة فيهما جميعًا .وقد قال بهذا جماعة من الصّحابة ومن بعدهم .
فمن الصّحابة: عبد اللّه بن مسعود ، وأبو مسعود البدريّ ، وعبد اللّه بن عمر .
ومن التّابعين: أبو جعفر محمّد بن عليّ ، والشّعبيّ ، ومقاتل بن حيّان . ومن أرباب المذاهب المتبوعين: إسحاق بن راهويه ، وأحمد في إحدى روايتيه ، وهي المشهورة في المذهب . أمّا الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التّشهّد الأوّل ، في الصّلاة الرّباعيّة والثّلاثيّة ، فهي سنّة في القول الجديد للشّافعيّ ، وهو اختيار ابن هبيرة ، والآجرّيّ من الحنابلة ، ولا تبطل الصّلاة بتركه ولو عمدًا ، ويجبر بسجود السّهو إن تركه .
فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 2 / ص 190) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 3608) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 2926) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 2 / ص 93) وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 57) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 9746)