فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 463

وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْعَقْدِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَعْذَارٌ مَعْرُوفَةٌ؛ فَإِنَّ قِيَاسَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ؛ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَقِيَاسُ الْأُصُولِ عِنْدَ الثَّانِي أَنَّ الْعُقُودَ الْمُجَرَّدَةَ عَنْ شَرْطٍ مُقْتَرِنٍ لَا تُغَيِّرُ أَحْكَامَ الْعُقُودِ؛ وَلَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْحَدِيثُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ الْمُتَقَدِّمَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَذَكَرُوهُ آخِذِينَ بِهِ أَوْ مُجِيبِينَ عَنْهُ؛ أَوْ بَلَغَهُمْ وَتَأَوَّلُوهُ؛ أَوْ اعْتَقَدُوا نَسْخَهُ؛ أَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَا يُعَارِضُهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ لَا يُصِيبُهُ هَذَا الْوَعِيدُ لَوْ أَنَّهُ فَعَلَ التَّحْلِيلَ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَمْنَعُنَا ذَلِكَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ التَّحْلِيلَ سَبَبٌ لِهَذَا الْوَعِيدِ وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ (1)

(1) - قلت: التحليل له صور عديدة:

فإن اتفقا على التحليل وتلفظابه في اثناء العقد، فالعقد باطل عند الجميع.

وإن اتفقاء قبل العقد ولم يذكراه فالعقد صحيح عند الحنفية والشافعية لاستيفائه شروط الانعقاد والصحة

وعند المالكية والحنابلة باطل لوجود القصد المفسد له لأن الأعمال بالنيات

الحالة الثالثة إذا نوى أحدهما ذلك وصرح به للطرف الآخر قبل العقد وجرى العقد دون تلفظ به فهو صحيح كالذي قبله تماما وفيه الخلاف نفسه

وإن نوى أحدهما التحليل دون اتفاق بينهما فالعقد صحيح عند الجميع، ولكنه باطل عند الإمام الأوزاعي

وإن تزوجها زواجا صحيحا ثم مات عنها أو طلقها بمحض اختياره فالعقد صحيح باتفاق

وفي المغني - (ج 15 / ص 259)

(5491) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلّهَا لِزَوْجِ كَانَ قَبْلَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ حَرَامٌ بَاطِلٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَوَاءٌ قَالَ: زَوَّجْتُكَهَا إلَى أَنْ تَطَأَهَا.

أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ طَلَّقَهَا وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ: لَا يَصِحَّ.

وَفِي الثَّالِثَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ.

وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ.

وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونٌ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ.

لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أُوتَى بِمُحِلٍّ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا.

وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ إلَى مُدَّةٍ، أَوْ فِيهِ شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ.

(5492) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيلَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْدِ وَنَوَاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ نَوَى التَّحْلِيلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْضًا.

قَالَ.

إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ، وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ.

قَالَ: هُوَ مُحَلِّلٌ، إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِحْلَالَ، فَهُوَ مَلْعُونٌ.

وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَوَى نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: امْرَأَةٌ تَزَوَّجْتُهَا، أُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا، لَمْ يَأْمُرْنِي، وَلَمْ يَعْلَمْ.

قَالَ: لَا، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، إنْ أَعْجَبَتْك أَمْسِكْهَا، وَإِنْ كَرِهْتَهَا فَارِقْهَا قَالَ: وَإِنْ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحًا.

وَقَالَ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ، وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلّهَا.

وَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَجَاءَ رَجُلُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، أَيُحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ قَالَ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.

وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَبَكْرٍ الْمُزَنِيّ، وَاللَّيْثِ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ.

وَذَكَرِ الْقَاضِي فِي صِحَّتِهِ وَجْهًا مِثْلَ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى طَلَاقَهَا لِغَيْرِ الْإِحْلَالِ، أَوْ مَا لَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا شُرِطَ لَا بِمَا قُصِدَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ، لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ، لَمْ يَبْطُلُ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى إجَازَتِهِ.

وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ، وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارٌ، وَعَلَيْهِ إزَارٌ، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ، وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ، فَسَأَلَ عُمَرَ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَك أَنْ تُعْطِيَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا، وَيُحِلُّك لِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ إنْ شِئْت فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ.

قَالَ: نَعَمْ، وَتَزَوَّجَهَا، وَدَخَلَ بِهَا.

فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَدْخَلَتْ إخْوَتَهُ الدَّارَ.

فَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ، وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، غُلِبَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَأَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، غُلِبْت عَلَى امْرَأَتِي.

قَالَ: مَنْ غَلَبَك؟ قَالَ: ذُو الرُّقْعَتَيْنِ.

قَالَ: أَرْسِلُوا إلَيْهِ.

فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ، قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: كَيْفَ مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك؟ قَالَ: لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ.

قَالَتْ: إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك: طَلِّقْ امْرَأَتَك.

فَقُلْ: لَا، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا.

فَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُك.

وَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ.

فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا.

قَالَ عُمَرُ: لَوْ طَلَّقْتَهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ.

وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَمْ يَرَ بِهِ عُمَرُ بَأْسًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ} .

وَقَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيلَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ.

أَمَّا حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ، يَعْنِي أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرْ إسْنَادَهُ إلَى عُمَرَ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مُرْسَلٌ.

فَأَيْنَ هُوَ مِنْ الَّذِي سَمِعُوهُ يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا.

وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ قَصَدَ التَّحْلِيلَ، وَلَا نَوَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت