فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 463

وَإِمَّا مُوَسِّعٍ فِي تَأْخِيرِهِ إلَى حِينِ الْحَاجَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (1)

(1) - اعلم أن عندنا مسألتين بحثهما علماء الأصول رحمهم الله تعالى في تأخير البيان:

الأولى: حكم تأخير البيان عن وقت العمل بالخطاب.

الثانية: حكم تأخيره إلى وقت الخطاب.

وقاعدتنا هذه إنما تخص المسألة الأولى لا الثانية، لأن الأولى هي التي تشتد الحاجة لمعرفتها لكثرة الفروع عليها، أما الثانية فنشير إليها مجرد إشارة مع بعض أدلتها في آخر الكلام على هذه القاعدة إن شاء الله تعالى، وأما ما أريد بحثه والإطالة فيه هو المسألة الأولى وهي قولنا: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو لا؟

فأقول: اعلم رحمك الله تعالى أن العلماء قد اتفقوا جميعًا على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والمراد بوقت الحاجة: أي وقت الحاجة إلى العمل بالخطاب المجمل، فإذا خاطبنا الله تعالى بخطاب مجمل وهو خطاب مثلًا يأمرنا بفعلٍ في وقت من الأوقات، ولكن هذا الخطاب مجمل في الصفة أو المقدار فإنه لابد إذا جاء الوقت الذي أمرنا بإيقاع مقتضى الخطاب فيه لابد أن يأتي البيان لهذا المجمل، ولا يمكن أبدًا أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهذا بالاتفاق ولله الحمد، وقد حكى الاتفاق على ذلك جمع من العلماء كابن قدامة والشيرازي في اللمم وابن السمعاني والباجي والغزالي وغيرهم، والاتفاق هنا خاص بالوقوع الشرعي فإنهم اتفقوا على أنه لم يقع في الشرع ذلك، أي لم يؤخر بيان في وقت الحاجة إليه.

أما الجواز العقلي أي: هل يجوز ذلك عقلًا؟ فهنا وقع الخلاف، لكن لا عبرة بالعقل مع الشرع ولا خير فيه إذا لم يكن مستنيرًا بنوره، ونحن نبحث هنا في الجواز الشرعي لا الجواز العقلي، ونبهت على ذلك خشية أن يرى أحد خلاف العلماء في الجواز العقلي فيقول: كيف تدعون الإجماع في هذه المسألة وقد ثبت الخلاف فيها، فالجواب أن الاتفاق الذي ذكرناه إنما هو في الوقوع الشرعي لا في الجواز العقلي.

وقد استدل العلماء على ما اتفقوا عليه بأدلة نقلية وعقلية:

فمن الأدلة: قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا (، وقوله تعالى: (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (، قال الله:(قد فعلت) كما في مسلم، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (فهذه الأدلة تفيد إفادة قطعية أن ما كان خارجًا عن وسع النفس وما ليس داخلًا تحت طاقتها فإنها لا تكلف به، ومطالبتها بالعمل بالمجمل فعل البيان خارج عن وسعها وطاقتها فلا تطالب به، فلابد من بيانه إذا جاء وقت العمل، ولأن المطالبة بالعمل بالمجمل قبل بيانه من العسر، وقد نفى الله تعالى إرادته بنا فكان من مقتضى ذلك أن لا نطالب بالعمل به قبل بيانه، فإذا جاء وقت الحاجة له فلابد من بيانه لأن هذا من اليسر الذي يريده الله بنا.

ومن الأدلة أيضًا: أن وقت الحاجة وقت للأداء فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء، فالأداء إذًا ضرورة من الضروريات التي لابد منها، والشريعة راعت باب الضروريات ولم تترك شيئًا منه، فإذا كان البيان عند وقت الحاجة إليه ضرورة، فإنه إذًا لابد من وروده مراعاة لإزالة هذه الضرورة.

ومن الأدلة أيضًا: إجماع العلماء على ذلك، كما نقلته سابقًا عن بعضهم، فهذه الأدلة تفيدك قطعًا ما قررته هذه القاعدة.

وإليك الآن بعض الفروع عليها تنبيهًا على غيرها لا حصرًا. فأقول:

منها: اختلف العلماء في غسل ما صاده الكلب بفمه، فمنهم من قال بأنه يجب غسل موضع فمه، ومنهم من قال بأنه يستحب ذلك ولا يجب، واستدل الأولون بأن لعاب فمه نجس فيتلوث الصيد به فلابد من غسله، كما أنه لو ولغ في الإناء فلابد من غسله فكذلك ما باشره بفمه يجب غسله، وقال الآخرون: لا يجب ذلك لأن الله تعالى قال: (مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (فأجاز الأكل مما صاده الكلب المعلم بشرط التسمية وأن يكون صاد لنا لا له، ولم يذكر لنا هنا وجوب غسله فلو كان واجبًا لذكره، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، يوضح ذلك حديث عدي في الصحيحين أنه سأل النبي (عن صيد الكلب وما يجب فيه، وكان جاهلًا - فأخبره النبي (أن:(( ما صاده بكلبه المعلم وذكر اسم الله عليه فليأكله ) )ولم يقل فاغسله وكل، ولم يفرق بين ما إذا صاده بفمه أو غيره فدل ذلك على أنه لو كان غسل الصيد واجبًا لذكره، فلما لم يذكر ولم يبينه مع جهل عدي بذلك ومع أنه وقت الحاجة للبيان فلما لم يذكر له غسله دل على عدم وجوبه، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا هو الراجح أن غسل ما صاده الكلب بفمه لا يجب وإنما يستحب فقط، تخريجًا على هذه القاعدة.

ومنها: حديث المسيء صلاته، ففي الصحيحين بل عند السبعة جميعًا عن أبي هريرة (قال:"دخل رجل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي (فرد عليه وقال:(( ارجع فصل فإنك لم تصل ) )فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء فسلم على النبي (فرد عليه وقال:(( ارجع فصل فإنك لم تصل ) )فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء فسلم على النبي (فرد عليه وقال:(( ارجع فصل فإنك لم تصل ) )فقال الرجل والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال (:(( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها حتى تقضيها ) )"فهذا الحديث العظيم عمدة في معرفة أركان الصلاة، فهذا الرجل جاهل، والنبي (في مقام تعليم، فلاشك أنه سيعلمه جميع الأركان والواجبات التي في الصلاة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلا يمكن أبدًا أن يكون ثمة ركن أو واجب تركه النبي (ولم يعلمه هذا الرجل، وبناءً على هذا فأي أمرٍ قولي أو فعلي لم يرد في هذا الحديث فإنه ليس بواجبٍ إلا بدليل خاص صريح، لأنه لو كان واجبًا لبينه لهذا الجاهل صلاته، فلما لم يبينه دل على عدم وجوبه، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لكن ينبغي لك قبل أن تحكم بذلك أمر مهم وهو: أن تبذل جهدك ما استطعت في جمع روايات هذا الحديث وطرقه المتناثرة، وتعرف الصحيح منها والضعيف حتى يكون نفيك على علمٍ وبصيرة لا على جهلٍ وهوى، وقد أفرده بعض أهل العلم في رسالة مستقلة، وقد ذكر الإمام الشوكاني في نيل الأوطار طرفًا كبيرًا من طرقه، فعليك بتتبعها وتنقيحها، ثم تجعله مقياسًا لما هو واجب في الصلاة أو ركن مما ليس كذلك.

إذا علمت هذا فاعلم أن هناك أشياء كثيرة من أقوال الصلاة وأفعالها اختلف العلماء في حكمها: كجلسة الاستراحة، وتكبير الانتقال والتسميع، وتسبيح الركوع والسجود ووضع اليدين على الركبتين حال الركوع، والسجود على الأعضاء السبعة، ورفع اليدين حال تكبيرة الإحرام والتشهدين الأول والثاني وغيرها، كل ذلك مما اختلف فيه، والبحث فيه أولًا أن تجمع روايات هذا الحديث المتفرقة من بطون كتب الحديث ثم ينظر فيها، فما أثبتته فهو الركن أو الواجب، وما لا فهو سنة.

ولولا خوف الإطالة لذكرنا الخلاف مع الراجح في كل واحدةٍ منهن، لكن نذرك لفهمك وبحثك والله خير معين وهو أعلى وأعلم.

ومنها: خلاف العلماء في انتقاض الوضوء بمس المرأة، فيه خلاف بين العلماء على أقوالٍ، فقيل بعدمه مطلقًا، وقيل بالنقض مطلقًا، وقيل إذا كان بشهوة أما بدونها فلا، واستدل القائلون بالنقض بقوله تعالى: (أو لمستم النساء (وهذا في قراءة سبعية وهي مفيدة أن مس النساء ناقض للوضوء، وقال الذي نفى ذلك إن الأدلة دلت على عدم ذلك، ففي الصحيحين"أن النبي (صلى وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها"، ولمسلم"وهو يؤم الناس في المسجد"، وفيهما أيضًا عن عائشة"أنها كانت تنام قدام النبي (معترضة اعتراض الجنازة فكان إذا سجد غمز رجلها فقبضتها"، وفي صحيح مسلم أنها افتقدته ليلة فبحثت عنه فوقعت يدها على قدميه وهو ساجد يدعو.

فإن قيل: إن هذا اللمس المذكور في الأدلة كان بغير شهوة.

قلنا: والآية وردت هكذا مطلقة بدون قيد فلماذا قيدتموها بالشهوة.

ونقول: وقد روى أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها أن النبي (قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ.

ونقول: لا يزال المسلمون يلمسون نساءهم بشهوةٍ وبغير شهوة وهذا مما تعم به البلوى ومع ذلك لم يثبت عنه (كلمة واحدة أنه أمر بالوضوء من مس النساء، فلو كان ذلك ناقضًا للوضوء لبينه، كما بين غيره من النواقض بيانًا شافيًا كافيًا لاسيما ومع شدة الحاجة له وكثرة الوقوع فيه، فلما لم يثبت عنه في ذلك شيء لا من قوله ولا من فعله ولا من إقراره دل على أنه ليس بشيءٍ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا القول هو الصحيح الذي تدل عليه هذه الأدلة وتؤيده هذه القاعدة، وأما الآية فإنها تحمل على القراءة الأخرى (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ (وهو الجماع وهو تفسير حبر الأمة وترجمان القرآن، وهو الذي تؤيده الأدلة السابقة.

والمهم أن تعرف كيف تخرج هذا الفرع على القاعدة، وهو أن يقال: إن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا لعدم الدليل، إذ لو كان ناقضًا لبينه النبي (وخصوصًا مع شدة حاجة الناس لبيانه لكثرة الوقوع فيه، فلما لم يبينه دل على أنه ليس بناقضٍ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والله أعلم.

ومنها: بعض الناس في الحج يرى وجوب غسل حصى الجمار، أو استحباب ذلك. فنقول: إن النبي (لقط حصى الجمار ورمى بها في يوم العيد وثلاثة أيام بعده ولم يثبت عنه (أنه غسلها أو أمر بذلك أو أقر عليه، فغسلها لو كان مشروعًا لبينه، فلما لم يبينه في وقت الحاجة لبيانه دل على أنه غير مشروع، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والله أعلم.

ومنها: اختلف العلماء في المرأة إذا جامعها زوجها في نهار رمضان مع الاتفاق على أن الرجل عليه الكفارة المغلظة المعروفة، لكن هل تجب الكفارة أيضًا على المرأة أو لا؟ فيه خلاف طويل قوي، فقيل: نعم عليها كفارة إن كانت مطاوعة له في ذلك، واستدلوا على ذلك بأن كل حكمٍ ثبت في حق الرجال فإنه يثبت في حق النساء إلا بدليل والعكس كذلك، لأن النساء شقائق الرجال، ولأن الكفارة وجبت على الرجل لانتهاكه حرمة رمضان وإفساد صيامه، وهذه العلة نفسها متحققة في المرأة، فتقاس على الرجل للاستواء في العلة، وقيل: بل لا كفارة عليها مطلقًا وإنما عليها الإثم والقضاء، وذلك لأن النبي (لما جاءه المجامع في نهار رمضان يقول:"وقعت على أهلي وأنا صائم، قال له: هل تجد كذا، هل تستطيع كذا … الخ"فأوجب عليه الكفارة ولم يذكر أهله بشيء مع أن الرجل أخبر أنه وقع على أهله، فأوجب الكفارة عليه وسكت عن أهله مما يدل على أنه لا كفارة على امرأته إذ لو كانت عليها كفارة لبينها النبي (ولو بالإشارة فلما لم يبين ذلك وسكت عنه دل على عدم الكفارة عليها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا القول قوي كما ترى لاسيما وأن جميع روايات الحديث لم يذكر فيها أنه أوجب على أهله شيئًا، وأما قياسها عليه فهو قياس في كفارة والقياس في الكفارات ممنوع وهي قاعدة خلافية، ومذهب الجمهور جواز القياس في الحدود والكفارات لكن يبقى الجواب عن سكوت النبي (عن المرأة فإنه لم يتعرضها بشيء أبدًا وسكوته عن الشيء مع القدرة يستفاد منه تشريع فكأنه لما أوجب على الرجل الكفارة وسكت عن المرأة دل أن هذا الحكم مختص بالرجل دونها، والأحوط للمرأة إخراجها خروجًا من الخلاف، وليس المقصود الترجيح وإنما المقصود التفريع على هذه القاعدة.

ومنها: هل خروج الدم من غير السبيلين ناقض للوضوء أم لا؟

فيه خلاف بين أهل العلم والفضل رحمهم الله جميعًا، فقيل بالنقض إذا كان كثيرًا فاحشًا عرفًا، وقيل لا ينقض مطلقًا قليله وكثيره

واستدل القائلون بالنقض بأنه خارج نجس من البدن فيقاس على الخارج من السبيلين ولأن النبي (أوجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة معللًا ذلك بقوله(( إنما ذلك عرق ) )والدم الخارج من سائر البدن إنما هو دم عرقٍ، وبحديث (( من أصابه قيء أو رعاف أو مذي أو قلسٌ فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن وهو في ذلك لا يتكلم ) )وبحديث (( إذا أحدث أحدكم في الصلاة فليأخذ بيده على أنفه وليخرج ) )أي ليوهم المصلين أنه أصابه رعاف مما يدل على أنه ناقض.

واستدل المانعون بأدلة منها: أن الأصل عدم النقض إلا بدليل ولا دليل، ولأن المسلمين لا يزالون في حروبهم يصلون في جراحاتهم ودماؤهم تسيل، ولخبر الرجل الذي أصيب وهو يحرس القوم وهو قائم يصلي فأتم صلاته، ومثل هذا لا يخفى على النبي (فلو كان ذلك ناقضًا لبين فلما سكت وأقر ولم يبين دل ذلك على أنه ليس بشيء لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذا القول هو الأقرب إن شاء الله تعالى.

فأما قياسه على دم المستحاضة فقياس مع الفارق لأن الناقض ليس مجرد الدم بل خروج الدم من أحد السبيلين، فقياس الخارج من غيرهما على الخارج منهما قياس مع الفارق، وأبعد من ذلك قياس القيء على البراز وهذا من أبعد القياس وأشنعه، وأما حديث (( من أصابه قيء أو رعاف ) )فهو حديث ضعيف لا يقوم بمثله حجة فقد ضعفه أحمد وغيره، وكذلك حديث (( فليأخذ على أنفه ) )فهو ضعيف أيضًا.

فالصواب إذًا أن خروج الدم لا ينقض الوضوء مطلقًا والله أعلم.

ومنها: اختلف العلماء في الوضوء من شرب ألبان الإبل فقيل بالوجوب واستدلوا بحديث (( توضؤا من أبوالها وألبانها ) )، وقيل: لا يجب لأن العرنيين لما اجتووا المدينة أمرهم النبي (أن"يلحقوا بإبل الصدقة وأن يشربوا من أبوالها وألبانها"ولم يأمرهم بالوضوء منها فدل على أنه غير ناقض، إذ لو كان ناقضًا لبين فلما لم يبين دل على أنه ليس بشيء، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهو الراجح إن شاء الله تعالى. وأما دليلهم فهو حديث ضعيف عند أهل الصناعة

ومنها: أكل الضب فيه شيء من الخلاف، والصواب حل أكله بلا كراهة، لأنه أكل على مائدته (ولم ينكر، فدل ذلك على جواز أكله، إذ لو كان حرامًا أو مكروهًا لبين ذلك، فلما لم يبين دل على أنه حلال، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا القول هو الصواب والله أعلم.

ومنها: قضاء راتبة الفجر بعدها لمن فاتته، فالقول الصحيح جواز ذلك، وقال البعض لا يجوز، لكن الصواب الجواز بدليل حديث الرجل الذي صلى الفجر مع النبي (ثم قام فصلى ركعتين، فقال النبي (:(( أصليت الصبح أربعًا ) )فقال: لم أكن صليت قبل الفجر فصليتهما الآن، فسكت النبي (، فدل ذلك السكوت على جواز قضائها بعد الفجر، وأما أحاديث النهي فهي عامة وهذا الدليل خاص والخاص مقدم على العام، ولو كان قضاؤها في هذا الوقت لا يجوز أو مكروهًا لبين النبي (ذلك فلما سكت ولم يبين دل ذلك على جواز ما فعله ذلك الصحابي، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ومنها: أتى النبيَّ صلى الله علبيه وسلم حبرٌ من اليهود فقال يا محمد: إنا نجد في التوراة أن الله تعالى يضع السموات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والجبال على إصبع ثم يهز بهن فيقول: أنا الملك، فضحك النبي (تصديقًا لما قال الحبر، فهذا دليل على أن ما قاله الحبر صحيح يجب اعتقاده، فنحن بهذا الحديث وبغيره نثبت لله تعالى صفة الأصابع على ما يليق بجلاله وعظمته، إذ لو كان ما أخبر به الحبر ليس صحيحًا لبين ذلك النبي (لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ومنها: من العلماء من يقول في التيمم: إن السنة فيه ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ويستدل على ذلك بما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عمر يرفعه (( التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ) )وقال أكثر العلماء: بل التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه فقط مستدلين بأصح حديث في التيمم وهو حديث عمار في الصحيحين وكان عمار جاهلًا بالتيمم فقال له (( إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، فضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح اليمين على الشمال وظاهر كفيه ووجهه ) )وهذا بيان للصفة الشرعية ولم يذكر فيها إلا ضربة واحدة إلى الكفين، فلو كان ما ذكر نحوه داخلًا في الصفة الشرعية لبينه لعمار لأنه وقت الحاجة للبيان فلما لم يبينه دل على أنه ليس بشيء لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، وأما حديث ابن عمر فخلاصة القول فيه أنه ضعيف مرفوعًا والراجح أنه موقوف، وقول الصحابي إن ثبت عنه حجة إذا لم يخالف نصًا ولم يخالفه صحابي آخر، وهنا تحقق الأمران، فقد خالف حديث عمار، وخالف ابن عمر جمع من الصحابة والله أعلم.

والفروع على هذه القاعدة أكثر من أن تذكر، ولعل فيما مضى كفاية لمن شاء الله أن يكفيه والله تعالى أعلى وأعلم.

انظر: البحر المحيط - (ج 3 / ص 302) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 302) وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 240) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 1 / ص 119) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 19) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 66) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 369) و كتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 155) القاعدة الثالثة عشرة (تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز) والموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 3050)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت